ابن خلكان

158

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

نحوهم الحكيم أبو عبد الله الناتلي فأنزله أبو الرئيس أبي علي عنده فابتدأ أبو علي يقرأ عليه كتاب إيساغوجي وأحكم عليه علم المنطق وإقليدس والمجسطي وفاقه أضعافا كثيرة حتى أوضح له منها رموزا وفهمه إشكالات لم يكن للناتلي يد بها وكان مع ذلك يختلف في الفقه إلى إسماعيل الزاهد يقرأ ويبحث ويناظر ولما توجه الناتلي نحو خوارزم شاه مأمون بن محمد اشتغل أبو علي بتحصيل العلوم كالطبيعي والإلهي وغير ذلك ونظر في النصوص والشروح وفتح الله عليه أبواب العلوم ثم رغب بعد ذلك في علم الطب وتأمل الكتب المصنفة فيه وعالج تأدبا لا تكسبا وعلمه حتى فاق فيه الأوائل والأواخر في أقل مدة وأصبح فيه عديم القرين فقيد المثل واختلف إليه فضلاء هذا الفن وكبراؤه يقرؤون عليه أنواعه والمعالجات المقتبسة من التجربة وسنه إذ ذاك نحو ست عشرة سنة وفي مدة اشتغاله لم ينم ليلة واحدة بكمالها ولا اشتغل في النهار بسوى المطالعة وكان إذا أشكلت عليه مسألة توضأ وقصد المسجد الجامع وصلى ودعا الله عز وجل أن يسهلها عليه ويفتح مغلقها له وذكر عند الأمير نوح بن نصر الساماني صاحب خراسان في مرض مرضه فأحضره وعالجه حتى بريء واتصل به قرب منه ودخل إلى دار كتبه وكانت عديمة المثل فيها من كل فن من الكتب المشهورة بأيدي الناس وغيرها مما لا يوجد في سواها ولا سمع باسمه فضلا عن معرفته فظفر أبو علي فيها بكتب من علم الأوائل وغيرها وحصل نخب فوائدها واطلع على أكثر علومها واتفق بعد ذلك احتراق تلك الخزانة فتفرد أبو علي بما حصله من علومها وكان يقال إن أبا علي توصل إلى إحراقها لينفرد بمعرفة ما حصله منها وينسبه إلى نفسه ولم يستكمل ثماني عشرة سنة من عمره إلا وقد فرغ من تحصيل العلوم بأسرها التي عاناها وتوفي أبوه وسن أبي علي اثنتان وعشرون سنة وكان يتصرف