ابن خلكان
153
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فقطعت أطرافه عضوا عضوا وهو يلقيها في التنور وهو بنظر حتى أتى على جميع جسده ثم أطبق عليه التنور وقال ليس علي في المثلة بك حرج لأنك زنديق وقد أفسدت الناس وسأل سليمان وعيسى عنه فقيل إنه دخل دار سفيان سليما ولم يخرج منها فخاصماه إلى المنصور وأحضراه إليه مقيدا وحضر الشهود الذين شاهدوه وقد دخل داره ولم يخرج فأقاموا الشهادة عند المنصور فقال لهم المنصور أنا أنظر في هذا الأمر ثم قال لهم أرأيتم إن قتلت سفيان به ثم خرج ابن المقفع من هذا البيت وأشار إلى باب خلفه وخاطبكم ما تروني صانعا بكم أأقتلكم بسفيان فرجعوا كلهم عن الشهادة وأضرب عيسى وسليمان عن ذكره وعلموا أن قتله كان برضا المنصور ويقال إنه عاش ستا وثلاثين سنة وذكر الهيثم بن عدي أن ابن المقفع كان يستخف بسفيان كثيرا وكان أنف سفيان كبيرا فكان إذا دخل عليه قال السلام عليكما يعني نفس وأنفه وقال له يوما ما تقول في شخص مات وخلف زوجا وزوجة يسخر به على رؤوس الناس وقال سفيان يوما ما ندمت على سكوت قط فقال له ابن المقفع الخرس زين لك فكيف تندم عليه وكان سفيان يقول والله لأقطعنه إربا إربا وعينة تنظر وعزم على أن يغتاله فجاءه كتاب المنصور بقتله فقتله وقال البلاذري لم قدم عيسى بن علي البصرة في أمر أخيه عبد الله بن علي قال لابن المقفع اذهب إلى سفيان في أمر كذا وكذا فقال ابعث إليه غيري فإني أخاف منه فقال اذهب فأنت في أماني فذهب إليه ففعل به ما ذكرناه وقيل إنه ألقاه في بئر المخرج وردم عليه الحجارة وقيل أدخله حماما وأغلق عليه بابه فاختنق قلت ذكر صاحبنا شمس الدين أبو المظفر يوسف الواعظ سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي الواعظ المشهور في تاريخه الكبير الذي سماه مرآه الزمان أخبار ابن المقفع وما جرى له وقتله في سنة خمس وأربعين ومائة ومن عادته أن يذكر كل واقعة في السنة التي كانت فيها فيدل على أن قتله كان في السنة المذكورة وفي كلام عمر بن شبة في كتاب أخبار البصرة ما يدل على أن ذلك كان في سنة اثنتين وأربعين ومائة أو ثلاث وأربعين ولا خلاف في أن سليمان بن علي المقدم ذكره مات في سنة اثنتين وأربعين ومائة وقد ذكرنا أنه قام مع أخيه عيسى بن علي في طلب ثأر ابن المقفع فيدل أيضا على أنه قتل في هذه السنة والله أعلم وابن المقفع له شعر وهو مذكور في كتاب الحماسة وسيأتي في ترجمة أب عمرو ابن العلاء المقرئ له مرثية فيه وقد قيل إنها لولده محمد بن عبد الله ابن المقفع على ما ذكرته هناك من الخلاف فلينظر فيه وكيفما كان فإن تاريخ قتله لم يكن بعد سنة خمس وأربعين ومائة وإنما كان فيها أو فيما قبلها وإذا كان كذلك فكيف يتصور أن يجتمع بالحلاج والجنابي كما ذكره إمام الحرمين رحمه الله تعالى ومن ها هنا حصل الغلط وأيضا فإن ابن المقفع لم يفارق العراق فكيف يقول إنه توغل في بلاد الترك وإنما كان مقيما بالبصرة ويتردد في بلاد العراق ولم تكن بغداد موجودة في زمنه فإن المنصور أنشأها في مدة خلافته فاختطها في سنة أربعين ومائة واستتم بناءها ونزلها في سنة ست وأربعين وفي سنة تسع وأربعين تم جميع بنائها وهي بغداد القديمة التي كانت بالجانب الغربي على دجلة وهي بين الفرات ودجلة كما جاء في الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تنشأ مدينة في هذا المكان وهذا الحديث هو الذي ذكره الخطيب أبو بكر البغدادي في أول تاريخه الكبير وقد غاب عني الآن لفظه فلهذا لم أذكره وبغداد في هذا الزمان هي الجديدة التي في الجانب الشرقي وفيها دور الخلفاء وهي قاعدة الملك في هذا الوقت وكان السفاح وأخوه المنصور قد نزلا بالكوفة ثم بنى السفاح بليدة عند الأنبار سماها الهاشمية فانتقلا إليها ثم انتقلا إلى الأنبار وبها مات السفاح وقبره ظاهر بها وأقام المنصور على ذلك إلى أن بنى بغداد فانتقل إليها