الشيخ محمد رضا النجفي الأصفهاني

98

وقاية الأذهان

فقط من غير لحاظ الانفراد والتعدّد ، فضلا عن لحاظ الوضع الواحد أو الوضعين ، ولا الحرف إلاّ على التعدّد من غير دلالة على أنّ التعدّد بوضع واحد أو وضعين ، فإذا أتبعته بقولك : سحّارة وخرّارة ( 1 ) فقد أزحت الإجمال عن اللفظ ، وأعلمت السامع باستعمالك اللفظ في المعنيين ، ولم تخرج بذلك عن معنى الحرف ، ولم تستعمله في غير ما وضع لأجله ، والوجدان السليم يكفي المنصف شاهدا على ذلك ، إذ لا ترى في قولك : رأيت عينين سحارة وخرّارة . تكلَّفا ولا تأويلا أصلا ، بل لا ترى فرقا بين قولك هذا ، وبين قولك : رأيت عينين جاريتين . إلاّ أنّ الأول ألطف في الذوق ، وأبدع في السمع ، وعليه جرى الحريري في مقاماته ، فقال - من الخفيف - : جاد بالعين حين أعمى هواه * عينه فانثنى بلا عينين ( 2 ) ولعمري لقد أحسن ، وأخطأ من خطَّأه في ذلك ، وعليه يجري كثير من بديع أمثلة التوشيع ( 3 ) ، كقول الصفي الحلَّي : رأيت بدرين من وجه ومن قمر * في ظلّ جنحين من ليل ومن شعر ( 4 ) بناء على ما يذهبون إليه من كون استعمال البدر في الوجه مجازا ، وأنّ المجازات لها أوضاع نوعيّة ، لا على ما حقّقناه سابقا . وقول بلديّة ( 5 ) السيّد حيدر رحمه اللَّه في رثاء الحسين عليه السلام : فظاهر فيها بين درعين نثرة * وصبر ودرع الصبر أقواهما عرى ( 6 )

--> ( 1 ) الخرير : صوت الماء ، ومنه عين خرارة . الصحاح 2 : 643 ( خرر ) . ( 2 ) مقامات الحريري : 80 . ( 3 ) التوشيع في اصطلاح البديعين أن يأتي الشاعر باسم مثنى ، ثم يأتي باسمين مفردين يفسران الأول . ( منه قدس سره ) . ( 4 ) ديوان صفي الدين الحلي : 723 . ( 5 ) أي من بلده وموطنه ، لأنهما من أهل الحلة من بلاد العراق . ( مجد الدين ) . ( 6 ) ديوان السيد حيدر الحلي 1 : 80 .