الشيخ محمد رضا النجفي الأصفهاني
134
وقاية الأذهان
الَّذي يحكم الشرع والعقل بامتناعه هو نسبة المجيء إليه سبحانه بالإرادة الجدّية لا الاستعمالية ، ولهذا لو ذكر هذا المحذوف وقيل : جاء أمر ربك ، فقد من الكلام جانب من حسنه ، ولم يناسب عطف الملك ( 1 ) عليه . والظاهر أن أكثر الألفاظ التي ورد في الشرع إطلاقها عليه تعالى ممّا لا يليق بمقدّس ذاته من هذا القبيل ، وما وقعت المجسّمة والمشبّهة فيما وقعوا فيه ، إلاّ لجهلهم بالفرق بين الإرادتين . وكذلك سؤال القرية فإنّ سؤال الجماد محال واقعا لا استعمالا ، ولا زالت العرب تخاطب الربوع ( 2 ) والديار ، وتكثر من سؤال الأطلال ( 3 ) والآثار وهي قفر ليس فيها ديار ، والقرآن الكريم نزل على محاورات العرب ، فإذا كان هذا دأبهم في موارد لا يمكن فيها تقدير الإرادة الجدّية والسؤال الحقيقي ، فكيف في هذه الآية وما يجري مجراها ، والقرية مأهولة عامرة نعم في مثل جرى النهر والميزاب يحتمل كلّ من الحذف والاستعمال على هذا النمط ، والثاني هو الأولى ، وأما احتمال المجاز في الكلمة بأن يكون المراد من النهر والميزاب الماء بعلاقة الحالّ والمحلّ فقبيح لا يقبله الذوق الصحيح . هذا ، والوجه في عدّ هذا الباب من أقسام المجاز لا يخلو عن خفاء ، إذ ليس فيه استعمال في غير ما وضع له لأنّ المفروض في قوله تعالى : وسئل القرية ( 4 ) أنّ المفردات مستعملة في معانيها ، وإلاّ كان المجاز في المفرد ، وكذلك المركّب - على القول بالوضع له - وإلاّ كان المجاز فيه ، وهكذا النسبة وإلاّ كان المجاز فيها ، فإذن لا فرق بينه وبين سائر الكلام إلاّ حذف بعض ألفاظ الجملة ،
--> ( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى : * ( والملك صفا صفا ) * الفجر : 22 . ( 2 ) الربوع جمع الربع : الدار بعينها حيث كانت . الصحاح 3 : 1211 ( ربع ) . ( 3 ) أطلال جمع طلل : ما شخص من آثار الدار . الصحاح 5 : 1752 ( طلل ) . ( 4 ) يوسف : 82 .