الفيض الكاشاني

364

الوافي

قولك عند الصلاة أو الصوم أو التدريس أصلي أو أصوم أو أدرس قربة إلى اللَّه تعالى ملاحظا معاني هذه الألفاظ بخاطرك ومتصورا لها بقلبك . هيهات إنما هذا تحريك لسان وحديث نفس وإنما النية المعتبرة انبعاث النفس وميلها وتوجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها إما عاجلا وإما آجلا وهذا الانبعاث والميل إذا لم يكن حاصلا لها لا يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرد النطق بتلك الألفاظ وتصور تلك المعاني وما ذلك إلا كقول الشبعان أشتهي الطعام وأميل إليه قاصدا حصول الميل والاشتهاء وكقول الفارغ أعشق فلانا وأحبه وانقاد إليه وأطيعه بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشيء وميله إليه وإقباله عليه إلا بتحصيل الأسباب الموجبة لذلك الميل والانبعاث واجتناب الأمور المنافية لذلك المضادة له فإن النفس إنما تنبعث إلى الفعل وتقصده وتميل إليه تحصيلا للغرض الملائم لها بحسب ما يغلب عليها من الصفات . فإذا غلب على قلب المدرس مثلا حب الشهرة وإظهار الفضيلة وإقبال الطلبة عليه وانقيادهم إليه فلا يتمكن من التدريس بنية التقرب إلى اللَّه سبحانه بنشر العلم وإرشاد الجاهلين بل لا يكون تدريسه إلا لتحصيل تلك المقاصد الواهية والأغراض الفاسدة وإن قال بلسانه أدرس قربه إلى اللَّه وتصور ذلك بقلبه وأثبته في ضميره وما دام لم يقلع تلك الصفات الذميمة من قلبه لا عبرة بنيته أصلا وكذا إذا كان قلبك عند نية الصلاة منهمكا في أمور الدنيا والتهالك عليها والانبعاث في طلبها فلا يتيسر لك توجيهه بكليته إلى الصلاة وتحصيل الميل الصادق إليها والإقبال الحقيقي عليها بل يكون دخولك فيها دخول متكلف لها متبرم بها ويكون قولك أصلي قربة إلى اللَّه كقول الشبعان أشتهي الطعام وقول الفارغ أعشق فلانا مثلا . والحاصل أنه لا يحصل لك النية الكاملة المعتد بها في العبادات من دون ذلك الميل والإقبال وقمع ما يضاده من الصوارف والأشغال وهو لا يتيسر إلا إذا