الفيض الكاشاني
362
الوافي
ناره أدخله اللَّه بعبادته وطاعته الجنة وأنجاه من النار لا محالة كما أخبر عنه في غير موضع من كتابه فإنما لكل امرئ ما نوى كما في الحديث الآتي فلا تصغ إلى قول من ذهب إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب أو الخلاص من العقاب زعما منه أن هذا القصد مناف للإخلاص الذي هو إرادة وجه اللَّه سبحانه وحده . وإن من قصد ذلك فإنما قصد جلب النفع إلى نفسه ودفع الضرر عنها لا وجه اللَّه سبحانه فإن هذا قول من لا معرفة له بحقائق التكاليف ومراتب الناس فيها فإن أكثر الناس يتعذر منهم العبادة ابتغاء وجه اللَّه بهذا المعنى لأنهم لا يعرفون من اللَّه إلا المرجو والمخوف فغايتهم أن يتذكروا النار ويحذروا أنفسهم عقابها ويتذكروا الجنة ويرغبوا أنفسهم ثوابها وخصوصا من كان الغالب على قلبه الميل إلى الدنيا فإنه قلما ينبعث له داعية إلى فعل الخيرات لينال بها ثواب الآخرة فضلا عن عبادته على نية إجلال اللَّه عز وجل لاستحقاقه الطاعة والعبودية فإنه قل من يفهمها فضلا عمن يتعاطاها والناس في نياتهم في العبادات على أقسام أدناهم من يكون عمله إجابة لباعث الخوف فإنه يتقي النار ومنهم من يعمل إجابة لباعث الرجاء فإنه يرغب في الجنة وكل من القصدين وإن كان نازلا بالإضافة إلى قصد طاعة اللَّه وتعظيمه لذاته ولجلالة لا لأمر سواه إلا أنه من جملة النيات الصحيحة لأنه ميل إلى الموعود في الآخرة وإن كان من جنس المألوف في الدنيا . وأما قول القائل إنه ينافي الإخلاص فجوابه أنك ما تريد بالإخلاص إن أردت به أن يكون خالصا للآخرة لا يكون مشوبا بشوائب الدنيا والحظوظ العاجلة للنفس كمدح الناس والخلاص من النفقة بعتق العبد ونحو ذلك فظاهر أن إرادة الجنة أو الخلاص من النار لا ينافي الإخلاص بهذا المعنى وسيأتي في الباب الآتي أن العمل الخالص الذي لا تريد أن يمدحك عليه أحد إلا اللَّه وإن أردت بالإخلاص أن لا يراد بالعمل سوى جمال اللَّه وجلاله من غير شوب من