الفيض الكاشاني

26

الوافي

من اللَّه وله درجات كما يدل عليه ما ورد في بعض الأخبار الآتية من قولهم أعلى عليين وكما وقع التنبيه عليه في هذا الخبر بنسبة خلق القلوب والأبدان كليهما إليه مع اختلافهما في الرتبة فيشبه أن يراد به عالم الجبروت والملكوت جميعا اللذين فوق عالم الملك أعني عالم العقل والنفس وخلق قلوب النبيين من الجبروت معلوم لأنهم المقربون . وأما خلق أبدانهم من الملكوت فذلك لأن أبدانهم الحقيقية هي التي لهم في باطن هذه الجلود المدبرة لهذه الأبدان وإنما أبدانهم العنصرية أبدان أبدانهم لا علاقة لهم بها فكأنهم وهم في جلابيب من هذه الأبدان قد نفضوها وتجردوا عنها لعدم ركونهم إليها وشدة شوقهم إلى النشأة الأخرى ولهذا نعموا بالوصول إلى الآخرة ومفارقة هذا الأدنى ومن هنا ورد في الحديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وتصديق هذا : ما قاله أمير المؤمنين عليه السّلام في وصف الزهاد كانوا قوما من أهل الدنيا وليسوا من أهلها فكانوا فيها كمن ليس منها عملوا فيها بما يبصرون وبادروا فيها ما يحذرون تقلب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة يرون أهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم وهم أشد إعظاما لموت قلوب أحيائهم . وإنما نسب خلق أبدان المؤمنين إلى ما دون ذلك لأنها مركبة من هذه ومن هذه لتعلقهم بهذه الأبدان العنصرية أيضا ما داموا فيها . وسجين فعيل من السجن بمعنى الحبس ويقال للنار والأرض السفلى والمراد به أسفل الأمكنة وأخس المراتب وأبعدها من اللَّه سبحانه فيشبه أن يراد به حقيقة الدنيا وباطنها التي هي مخبوءة تحت عالم الملك أعني هذا العالم العنصري فإن الأرواح مسجونة فيه ولهذا ورد في الحديث : المسجون من سجنته الدنيا عن الآخرة وخلق أبدان الكفار من هذا العالم ظاهر وإنما نسب خلق قلوبهم إليه لشدة ركونهم إليه وإخلادهم إلى الأرض وتثاقلهم إليها فكأنه ليس لهم من الملكوت