الشيخ المنتظري

80

دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية

" اشتهر على ألسنة العلماء أنّ العامّة في زمن الخلفاء لمّا رأوا تشتّت المذاهب في الفروع واختلاف الآراء ، بحيث لم يمكن ضبطها فقد كان لكلّ واحد من الصحابة والتابعين ومن تبعهم مذهب برأسه في المسائل الشرعيّة والأحكام الدينيّة ، التجأوا إِلى تقليلها فأجمعوا على أن يجمعوا على بعض المذاهب . . . فالعامّة أيضاً لمّا اضطربت اتّفقت كلمات رؤسائهم وعقيدة عقلائهم على أن يأخذوا من أصحاب كلّ مذهب خطيراً من المال ويلتمسوا آلاف ألف دراهم ودنانير من أرباب الآراء في ذلك المقال . فالحنفية ، والشافعية ، والمالكية ، والحنبلية لوفور عدّتهم وبهور عدّتهم جاؤوا بما طلبوه ، فقرّروهم على عقائدهم . وكلّفوا الشيعة ، المعروفة في ذلك العصر بالجعفريّة ، لمجيء ذلك المال الذي أرادوا منهم ، ولمّا لم يكن لهم كثرة مال توانوا في الإعطاء ولم يمكنهم ذلك . وكان ذلك في عصر السيد المرتضى ( قدس سره ) وهو قد كان رأسهم ورئيسهم ، وقد بذل جهده في تحصيل ذلك المال وجمعه من الشيعة فلم يتيّسر له ، حتّى إِنّه كلّفهم بأن يجيؤوا بنصف ما طلبوه ويعطي النصف الآخر من خاصّة ماله ، فما أمكن للشيعة هذا العطاء . فلذلك لم يدخلوا مذهب الشيعة في تلك المذاهب ، وأجمعوا على صحّة خصوص الأربعة وبطلان غيرها . فآل أمر الشيعة إِلى ما آل في العمل بقول الآل السادة الأنجاب . والعامّة قد جوّزوا الاجتهاد في المذهب ولم يجوّزوا الاجتهاد من المذهب ، حتّى إِنّهم لم يجوزوا تلفيق أقوال هذه الأربعة والقول في بعض المسائل بقول بعض وفي بعضها بقول الآخر . واستمرّوا على هذا الرأي إِلى يومنا هذا ، ولم يخالفهم أحد منهم في تلك الأعصار المتمادية سوى محيي الدّين العربي المعاصر لفخر الدين الرازي ، حيث خالفهم في الفروع ; فتارة يقول بقول واحد من هؤلاء الأئمّة الأربعة في مسألة ويقول في مسألة أخرى بقول الآخر ، وتارة يخترع في بعض المسائل وينفرد بقول