الشيخ المنتظري
49
دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية
أقول : الظاهر أنّ ما كان منه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أوّلا مع عيينة والحارث لم يكن إِلاّ مجرد المقاولة والمفاوضة ، ولم يكن غرضه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إِلاّ حفظ كيان الأنصار وحقن دمائهم ، فلمّا رأى قوّتهم وشدّة بأسهم أحال الأمر إِليهم . فهو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يخلف وعداً جازماً ولا أقدم على ما لا يصحّ ، بل أخذ بعد المشاورة بما ظهر كونه أصلح . وكيف كان فالظاهر كما مرَّ أنّ عمدة مشاورة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كانت مع وجوه القبائل لجلب أنظارهم وإظهار الاعتماد عليهم ، تقوية لعزمهم وتحرّكهم ، وإلاّ فهو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان متّصلا بمنبع الوحي وكان الحقّ واضحاً له . فما كان استشارته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمّته إِلاّ وزان استشارة اللّه إِيّاه : ففي مسند أحمد ، عن حذيفة ، عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّه قال : " إِنّ ربّي - تبارك وتعالى - استشارني في أمّتي ماذا أفعل بهم ؟ فقلت : ما شئت أي ربّ ، هم خلقك وعبادك . فاستشارني الثانية ، فقلت له كذلك ، فقال : لا أحزنك في أمّتك . الحديث . " ( 1 ) الخامس في قصّة الحديبيّة : ففي سنن البيهقي بسنده عن المسوّر بن مخرمة ومروان بن الحكم ، قالا : خرج رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) زمن الحديبية في بضع عشرة مأة من أصحابه ، حتّى إِذا كانوا بذي الحليفة قلّد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة ، وبعث بين يديه عيناً له من خزاعة يخبره عن قريش . وسار رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتّى إِذا كان بوادي الأشطاط قريب من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال : إِني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعاً وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت .
--> 1 - مسند أحمد 5 / 393 .