الشيخ المنتظري

430

دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية

أصل من أصول الحكمة وحكم من أحكام الدين ، فإن الحقوق المتوجهة على قسمين : منها ما يصحّ استيفاؤه معجلا ، ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إِلاّ مؤجّلا . فإن خلّي من عليه الحق وغاب واختفى بطل الحقّ وتوى ( أي ذهب ) ، فلم يكن بدّ من التوثق منه ، فإمّا بعوض عن الحق ويكون بمالية موجودة فيه وهي المسمى رهناً وهو الأولى والأوكد ، وإما شخص ينوب منابه في المطالبة والذمة وهو دون الأوّل ، لأنه يجوز أن يغيب كغيبته ويتعذر وجوده كتعذره ، ولكن لا يمكن أكثر من هذا . فإن تعذرا جميعاً لم يبق إِلاّ التوثّق بحبسه حتى تقع منه التوفية لما كان عليه من حقّ ، فإن كان الحق بدنياً لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق استيفاؤه معجّلا لم يبق إِلاّ التوثق بسجنه ، ولأجل هذه الحكمة شرّع السجن . وقد روى الترمذي وأبو داود أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حبس في تهمة رجلا ثم خلّى عنه . " ( 1 ) 4 - ومن الآيات أيضاً قوله - تعالى - في سورة التوبة : " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ، وخذوهم واحصروهم . " ( 2 ) قال في المجمع : " معناه : واحبسوهم واسترقّوهم ، أو فادوهم بمال . وقيل : وامنعوهم دخول مكة والتصرف في بلاد الإسلام . " ( 3 ) أقول : قد عرفت أنّه لايراد بالحبس في الكتاب والسنّة حصر الشخص في مكان ضيّق ، بل هو ضدّ التخلية . فيراد به تحديد الشخص ومنعه من الانبعاث والتصرفات الحرّة . فهذه أربع آيات يستدلّ بها على مشروعية الحبس . وأما السنّة فالروايات الدالة على مشروعية الحبس إِجمالا مستفيضة ، بل لعلها

--> 1 - أحكام السجون للوائلي / 38 ; عن " أحكام القرآن " لابن العربي أبي بكر محمد بن عبد اللّه 2 / 723 . 2 - سورة التوبة ( 9 ) ، الآية 5 . 3 - مجمع البيان 3 / 7 ( الجزء 5 ) .