الشيخ المنتظري
423
دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية
فيظهر من جميع ذلك أن مفاد اللفظين هو تحديد الشخص ومنعه من الانبعاث والانطلاق والتصرفات الحرّة ، فليس للمكان وخصوصياته ووجود الإمكانات وعدمها دخل فيه ، وإِنما المهم صيرورة الشخص ممتنعاً مقيداً . وفي الخطط المقريزية : " الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيّق ، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه ، سواء كان في بيت أو مسجد ، أو كان بتولّي نفس الخصم أو وكيله عليه وملازمته له . ولهذا سمّاه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أسيراً ، كما روى أبو داود وابن ماجة ، عن الهرماس بن حبيب ، عن أبيه ، قال : أتيت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بغريم لي فقال لي : ألزمه . ثمّ قال لي : يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك ؟ وفي رواية ابن ماجة : ثم مرّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بي آخر النهار فقال : ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم ؟ وهذا كان هو الحبس على عهد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأبي بكر الصديق ولم يكن له محبس معدّ لحبس الخصوم ، ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب ابتاع من صفوان بن أميّة داراً بمكّة بأربعة آلاف درهم وجعلها سجناً يحبس فيها . ولهذا تنازع العلماء هل يتخذ الإمام حبساً على قولين : فمن قال : لا يتخذ حبساً ، احتجّ بأنّه لم يكن لرسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولا لخليفته من بعده حبس ولكن يعوّقه بمكان من الأمكنة أو يقيم عليه حافظاً وهو الذي يسمّى الترسيم ، أو يأمر غريمه غلامه بملازمته . ومن قال : له أن يتخذ حبساً ، احتجّ بفعل عمر بن الخطاب . ومضت السّنة في عهد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأبي بكر وعمر وعثمان وعلىّ " رض " أنه لا يحبس على الديون ولكن يتلازم الخصمان . وأول من حبس على الدين شريح القاضي . وأمّا الحبس الذي هو الآن فإنّه لا يجوز عند أحد من المسلمين . وذلك أنّه يجمع الجمع الكثير في موضع يضيق عنهم ، غير متمكنين من الوضوء والصلاة ، وقد يرى بعضهم عورة بعض ، ويؤذيهم الحرّ في الصيف والبرد في الشتاء ، وربما يحبس