الشيخ المنتظري

37

دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية

أخصّائيون في الأمور العامّة المهمّة من السياسة والاقتصاد والثقافة والدفاع ، فيطرح لهم المسائل ويطلب منهم تبادل الآراء واستحصال الفكر الصحيح في كل مسألة وتنظيم البرامج والخطوط الكليّة لإدارة النفوس والبلاد . وليحذر الحاكم من الإعجاب بالنفس وبأفكار نفسه ، بل يستمع الآراء المختلفة ويقلّب وجوه الرأي ، وبعد التأمّل والتعمّق فيها يختار ما هو الأصلح في مجالات الحكم ، ولا يتبادر إِلى التصميم والقرار قبل المشاورة وتبادل الأفكار وتلاقحها ، فإنّ الجواد قد يكبو والصارم قد ينبو ، وضرر الخطأ والاشتباه من العظيم عظيم . نعم ، لما كان المسؤول والمكلّف هو الحاكم فالملاك بعد المشاورة واستماع الأنظار المختلفة هو تشخيص نفسه ، ولا يتعيّن عليه متابعة الأكثريّة ، ولا يلزم من ذلك كون الشورى بلا فائدة ، إِذ يترتّب عليها مضافاً إِلى جلب أنظار المشاورين وإِعطاء الشخصيّة لهم نضج الفكر والاطلاع على جوانب الأمر وعواقبه حتّى يختار ما هو الأصلح بعد التأمّل في الأنظار المختلفة والمقايسة بينها . وفي نهج البلاغة : " وقال - عليه السلام - لعبد اللّه بن العباس وقد أشار عليه في شيء لم يوافق رأيه : لك أن تشير علىّ وأرى ، فإن عصيتك فأطعني . " ( 1 ) وبالجملة فالإمام أو الأمير المسؤول هو الذي يختار ويعزم بعد إِنضاج الفكر بالمشاورة . واعتبار الأكثريّة إِنّما يكون فيما إِذا كان المسؤول هو الأمّة أو أهل الحلّ والعقد ، كما في انتخاب الإمام أو الممثّلين ، وكما في التقنين في مجلس الشورى ; ففي هذه الموارد يكون الملاك آراء الجميع أو الأكثريّة ، كما لا يخفى . وأمّا جعل الإمامة والولاية للشورى لا للشخص - كما قد يتلّقى بألسنة بعض المتثقّفين وكنت أنا أيضاً في مجلس الخبراء مدافعاً عن هذه الفكرة - فالظاهر أنّه مخالف لسيرة العقلاء والمتشرعة ، وليس أمراً صالحاً لإدراة البلاد والعباد ولا سيّما في

--> 1 - نهج البلاغة ، فيض / 1239 ; عبده 3 / 230 ; لح / 531 ، الحكمة 321 .