الشيخ المنتظري
27
دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية
الإسلاميّة والحكومات الدارجة فيها . وربّما تقع بإلقاء شياطين الاستعمار وإيحائهم إِلى عملائهم ، أو بتقليد بعض البسطاء من الحكّام لبعض آخر . مع أنّك ترى أن رؤوس الكفر والاستعمار قد أطلقوا أممهم وتابعوا أهواءهم ، فهل لا يكون هذا إِلاّ نحو مكر مكروه لعدم راحة الأمّة الإسلاميّة وعدم استقرار نظامهم وعدم ثبات دويلاتهم ؟ ! فاعتبروا يا أولي الأبصار ! هذا . وأسوأ من هذه التدخّلات والتحديدات مباشرة الدولة بنفسها للزراعة والتجارة والصناعات ; فقد عقد ابن خلدون في مقدّمته فصلا بديعاً بعنوان أنّ التجارة من السلطان مضرّة بالرعايا مفسدة للجباية . ومحصل كلامه : " أنّ تصدي السلطان للتجارة والفلاحة غلط عظيم ، وإِدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعدّدة ، ومنها أنّ له القدرة والمال الكثير فيجعل السوق تحت قبضته واختياره ، فلا يحصل أحد من التجار على غرضه في شيء من حاجاته فيدخل على النفوس من ذلك غمّ ونكد ، ويدخل به على الرعايا من العنت والمضايقة وفساد الأرباح ما يقبض آمالهم عن السعي ويؤدّي إِلى فساد الجباية ، فإنّه إِذا انقبض الفلاّحون عن الفلاحة وقعد التجّار عن التجارة ذهبت الجباية جملة أو دخلها النقص المتفاحش . وإِذا قايس السلطان بين ما يحصل له من الجباية وبين هذه الأرباح وجدها بالنسبة إِلى الجباية أقلّ من القليل . ثمّ فيه التعرّض لأهل عمرانه واختلال الدولة بفسادهم ونقصه ، فإنّ الرعايا إِذا قعدوا عن تثمير أموالهم بالفلاحة والتجارة نقصت وتلاشت بالنفقات ، وكان فيها إِتلاف أحوالهم . " ( 1 ) هذا . ولنذكر مثالين من تحديد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتدخّله بما أنّه كان والياً وحاكماً في هذا السنخ من الأمور مقتصراً على قدر الضرورة :
--> 1 - مقدمة ابن خلدون / 197 ، الفصل 41 من الفصل 3 من الكتاب الأوّل ( = طبعة أخرى / 281 ، الفصل 40 ) .