الشيخ المنتظري
196
دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية
12 - استقلال القاضي : لا يخفى أنّ انسجام النظام وسلامة الملك والمجتمع يتوقّف على سلامة أمر القضاء وقوّته ، كما مرّ . ولا يحصل ذلك إِلاّ باستقلال القاضي وقوّته في السياسة والاقتصاد حتّى لا يطمع أحد في إجباره وإخضاعه أو استمالته وإِطماعه . وقد ألفت أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إِلى هذه النكتة المهمّة في عهده إِلى مالك ، فقال عقيب الإشارة إِلى مواصفات من ينتخب للقضاء : " ثمّ أكثر تعاهد قضائه وافسح له في البذل ما يزيل علّته وتِقلّ معه حاجته إِلى الناس . وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصّتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك ، فانظر في ذلك نظراً بليغاً . " ( 1 ) وبالجملة ، فيجب أن يكون القاضي مستقلاّ في الفكر والإرادة ، قويّاً في التصميم والقرار ، غير متأثّر بشيء من السلطات السياسيّة والاقتصاديّة . وإنّما عدّت سلطة القضاء مستقلة عن سلطة التنفيذ لئلا تتأثّر عنها ولتعمّ سلطته مراتب سلطة التنفيذ فيهاب ، منها جميع الوزراء والعمّال والأمراء ، بل قد رأيت أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أيضاً في عصر خلافته حضر مجلس قضاء شريح مع خصمه اليهودي . فيعلم بذلك أهميّة موقعية القاضي . ولولا ذلك لأثّرت السلطات السياسيّة أو الاقتصاديّة في أمر القضاء والقضاة ، فتدبّر .
--> 1 - نهج البلاغة ، فيض / 1010 ; عبده 3 / 105 ; لح / 435 ، الكتاب 53 .