الشيخ جعفر الباقري

226

صلاة التراويح ، سنة مشروعة أو بدعة محدثة ؟

ونجد الجذور العميقة لهذا النحو من الخلط أيضاً تمتد إلى صدر الإسلام الأول ؛ حيث كان يظن البعض أنَّ الإتيان بأي أمرٍ حادث لم يرد بشأنه الدليل الخاص ، أو انَّه لم يكن موجوداً في عصر التشريع ، يعدّ من الابتداع ، ولم يلتفتوا إلى إمكانية نسبة مثل هذهِ الأمور الحادثة إلى الدين عن طريق الأدلة العامة الواردة بشأنها . وفي الحقيقة أنَّ هذا الأمر راجع إلى نوايا المكلفين ودوافعهم النفسية نحو القيام بالممارسات التي تنضوي تحت العموميات والأدلة الكلية المشروعة ، ولا يصح التسرّع بإطلاق لفظ ( البدعة ) على تلك الممارسات بمجرد وقوعها ؛ لأنَّ هذا سيؤدي إلى الخلط في المفاهيم ، والاضطراب في تطبيقاتها على مواردها الحقيقية . ولولا أن يطول بنا المقام لأستعرضنا نماذج كثيرة من أقوال البعض حول رمي مثل هذه الممارسات المشروعة بالابتداع ، مَعَ إمكانية تصحيح صدورها عن طريق النية المذكورة . على أنّا نكتفي بإيراد مظاهر وقوع هذا الخلط في حياة المسلمين الأوائل ، والتي نقلها البعض في كتبهم من دون أن يوردوا عليها تعليقاً ، أو أنَّ البعض كان يعدّ معالجتها بهذهِ الطريقة الخاطئة ناتجة من دوافع الحرص على التشريع ، وأنَّها كانت من حالات ( الابتداع ) المحرَّمة في حياة المسلمين . فمن تلك المظاهر ما أورده ( ابن الجوزي ) في ( تلبيس إبليس ) : ( إنَّ سعد بن مالك سمع رجلاً يقول : - لبّيكَ ذا المعارج فقال : - ما كنّا نقول هذا على عهد رسول اللّه ) ( 1 ) ! ! فمن الواضح أنَّ هذهِ المقولة يمكن أن تدرج تحت عموميات التشريع ، ولا تكون من قبيل الابتداع .

--> ( 1 ) ابن الجوزي ، تلبيس إبليس ، ص : 25 .