الشيخ محمد مهدي شمس الدين

90

التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام

ولكن الحال تغير بعد ظهور الإسلام تغيرا كاملا . إن القرآن الكريم والسنة الشريفة قد كشفا للعربي تدريجا عن عمقه في الزمان باعتباره مسلما . وغدا القرآن والسنة يغذيان على مهل وعي المسلم بعمقه التاريخي من خلال القصص التي تؤرخ للأمم الماضية ، وأنبيائها ، ومواقفها منهم باعتبارهم أنبياء ، وحالات ازدهارها ، وانحطاطها ، وفنائها . ومن خلال هذا الوعي أدرك المسلم أنه بإسلامه ، وجهاده اليومي - بالسيف والكلمة - في داخل الجماعة الإسلامية التي تبني نفسها بعين الله وعلى يد رسول الله ، وفي مواجهة المشركين . . . أدرك بوضوح كامل أنه بعمله اليومي هذا يصنع تاريخا موصولا بما وعاه من تاريخ الأمم الماضية كما تعلمه من الكتاب والسنة . وهكذا وجد الوعي التاريخ لدى الإنسان المسلم . * وللتاريخ وظيفة تتعدى شعورنا بالاستمرار والديمومة . وهذه الوظيفة تربوية أخلاقية . لا يعني هذا أن التاريخ يتحول إلى مادة وعظية فقط ، فإن البحث والنقد غرضان من أغراض التاريخ بلا شك ، ولكن الوظيفة النهائية بعدهما هي ، كما قلنا ، تربوية أخلاقية . وهذه الوظيفة تستمد معالمها وطبيعتها من طبيعة النهج الذي تسلكه الأمة في بناء نفسها ، ومن طبيعة الدور الذي تعد نفسها للقيام به في محيطها الإقليمي أو على المستوى العالمي ، ولذا نرى أن كل أمة ذات نهج فكري مميز لشخصيتها تجعل التاريخ مادة بانية لهذا النهج الذي ارتضته . وهذا لا يعني - بطبيعة الحال - أن يحرف التاريخ ليكون أداة دعائية وسياسية . إن الأمانة للحقيقة يجب أن تكون دائما مرعية ، وإنما يعني أن التاريخ ليس مادة ترف فكري وتسلية . إنه مادة شديدة الخطورة إذا تولى استعمالها في الشأن العام رجال لا يقيمون للأخلاق وزنا ولا تحركهم روح رسالية ، وأجهزة كذلك . . . رجال وأجهزة يحركهم التعصب والغرور القومي والعنصري . . . في هذه الحالة قد يوجه التاريخ