الشيخ محمد مهدي شمس الدين

68

التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام

النبيلة ، وإذن فهو لا يزال فكر هذه المئات من الملايين من البشر ، وإنما لا يحركها أو لا تتحرك وفقا لمناهجه بسبب وجود الموانع الخارجية القاهرة والمعوقات الشالة لحركة المسلمين من خلال إسلامهم ، وهي قوى الحضارة المادية التي استعمرت بلاد المسلمين وأقصت الإسلام عن مركز القيادة وحلت محله في هذا المركز . وإذن ، فالإسلام ليس تراثا ميتا نختلف على إحيائه وعدم إحيائه أو إحياء بعضه مما يتلاءم مع عصرنا كما يقولون . . . إنه فكر حي وما يدعوننا إليه هو إماتة هذا الفكر الحي لإحلال فكر آخر غريب محله هو فكر الحضارة المادية . وقد أفلحت قوى الحضارة المادية لا في إماتة الإسلام فهو لا يزال حيا كما قلنا ، ولكن في فرض نفسها على حياة المسلمين الذين يحملون في قلوبهم وعقولهم إسلاما حيا قادرا على التحريك ولكنه ممنوع عن التحريك وليس عاجزا عنه . واستمرار مفكرينا المتأثرين بهذه الحضارة المادية في جهودهم لفرضها على واقع حياة المسلمين وعزل الإسلام عن هذه الحياة لن يؤدي إلى ( إماتة الإسلام ) كما لن يؤدي إلى تحرير المسلم أو العربي ، وإنما يؤدي إلى مزيد من التمزق الداخلي والأزمات الحضارية لإنسان ينقسم على نفسه ، موزع الذات بين ضرورات حياته اليومية وبين قناعاته العقلية والنفسية والأخلاقية والعاطفية . وهذا ما يؤدي - كما أدى بالفعل في العالم الإسلامي كله ومنه العالم العربي - إلى فقدان الفعالية والإيجابية في مواجهة تحديات الحياة ، ويؤدي من ثم إلى مزيد من التخلف والعجز عن مجاراة حركة التقدم لدى الأمم الأخرى وهكذا يسئ هؤلاء المفكرون من حيث يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، فبدلا من إتاحة الفرصة أمام الإنسان العربي للتغلب على مصاعبه وعوامل تخلصه يضيف هؤلاء المفكرون سببا آخر للتخلف يزيد الأمر سوءا لأنه يقدم تحت شعار التقدم ، وهكذا يكون حال الإنسان العربي في هذه الحالة حالة القط الذي يلحس المبرد الذي يغري لسانه وينزف دمه وهو يحسب أنه يغذي نفسه بالمبرد الذي يغريه في حقيقة الحال . *