الشيخ محمد مهدي شمس الدين

51

التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام

1 - عامل التغير والتقلب في الحياة : الحياة بما هي حركة ، وبما هي تفاعل ، وبما هي طاقات وقوى تتفاعل فتتكامل أو تتقاتل في داخل كل شئ ومن حول كل شئ في الكون المادي كله - الحياة بما هي كل هذا متقلبة متغيرة متحولة باستمرار - هي في حالة صيرورة دائمة لا تستقر على حال ولا تثبت على وتيرة واحدة . 2 - عامل الزمن : أثر الزمن في الأشياء والأعمار ظاهر لكل ذي بصيرة ، فالزمن يفتت الحياة باستمرار ، فما أن يبدأ وجود الحياة في شئ ، بل ما أن يبدأ وجود شئ ، حيا كان أو غير حي حتى يبدأ هذا الوجود بالذوبان والتفتت والضياع . إن الحياة تولد في الزمن . ولكن الزمن يغتالها باستمرار . وهذان العاملان - التغير والزمن - لا يختصان بعالم الإنسان وحده ، إنهما يعملان في كل شئ ويحولان دون ثبات كل شئ : الجماد ، والنبات ، والحيوان ، والإنسان . ويتميز الإنسان - بالنسبة إليهما - عن العوالم الأخرى بأنه - لما أوتي من عقل وإدراك - يستطيع أن يعي الوجه المأساوي لعمل هذين العاملين ، وأثرهما في حياته وفي الوجود من حوله . ووعي الإنسان لهذين العاملين وأثرهما في الحياة والأشياء يجعله قادرا على مواجهة الحياة ومباهجها الموقتة ، ووعودها السخية ، وآمالها اللامعة . بعقل صاف خال من الأوهام ، ويعزز فيه النزعة الواقعية في أخذ الحياة والتعامل مع الدنيا - هذه النزعة التي من شأنها أن تجعل الآمال أقل بريقا وجذبا واستهواء ، والانتصارات أقل مدعاة للغرور والصلف ، والمآسي أقل إيلاما . ويعزز مناعة الإنسان أمام تكالب صروف الدهر ، وخيبات الأمل وضياع الجهود ، ونوازل المرض والموت . . . فلا ينهار بسبب ذلك ولا ييأس ولا يستسلم ، ولا يستكين ولا يهرب من العمل ، وإنما ينبعث للعمل والكفاح في سبيل نفسه وأهله ومجتمعه وعالمه من جديد لأنه لم يفاجأ بالخيبة والإخفاق ، بل كان مهئ النفس لتقبلهما ومن ثم فقد كان مهئ النفس لتجاوزهما ، واستئناف