الشيخ محمد مهدي شمس الدين

42

التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام

السابقة . وقد يثير هذا التحليل حفيظة فريق من أهل الفكر المشتغلين بالسياسة ، أو فريق من أهل السياسة يدعون لأنفسهم صلة بالفكر يرون - أولئك وهؤلاء - أن النزعة التاريخية ، أو العقلية التاريخية ( السلفية ) تعيق نمونا في الحاضر وتقدمنا في المستقبل ، لأنها تشدنا دائما إلى الماضي ، إلى قيمه وتصوراته . إن التاريخ عند هؤلاء مرض يشوه الحاضر ويقضي على المستقبل . ولكن هذا الرأي بعيد عن الصواب . بطبيعة الحال نحن - في فهمنا لدور التاريخ كعامل مكون في البنية الثقافية للإنسان والمجتمع ومساعد في عمليات الفكر - لا ندعي أن من الحكمة أن يجعل الإنسان نفسه سجين التاريخ ، لسنا في فهمنا لدور التاريخ مع غلاة النزعة التاريخية الذين يرون أن التاريخ هو الحقيقة كلها ، لا مرحلة من مراحل نمو الحقيقة التجريبية فقط . فهذا الموقف الفكري يتسم بالغلو والشطط . ولكن ليس من الحكمة أيضا أن يواجه الإنسان حاضره ويتجه نحو مستقبله وهو بلا جذور ، إنه حين لا يستشعر تاريخه الخاص بأمته أو تاريخ الإنسانية يفقد القدرة على الرؤية الصحيحة ، ويفقد القدرة على تقويم المواقف التي تواجهه في خاطره تقويما سليما سواء في ذلك ما يتعلق منها بالحاضر نفسه أو ما يتعلق منها بالمستقبل ، إنه في هذه الحالة يتحرك في الفراغ . لهذا وذاك نرى أن الاستخدام المتزن للتاريخ ، الاستخدام المتسم بالحكمة والاعتدال يجعلنا أقدر على التحرك في حاضرنا وأكثر شعورا بخطورة قراراتنا فيما يتعلق بشؤون المستقبل ، لأن التاريخ في هذه الحالة يعمق حسنا الأخلاقي حين اتخاذنا قرارات مستقبلية تمس نتائجها حياة أجيال ، نصنع بهذه القرارات - المستقبلية بالنسبة إلينا - حاضرها هي الذي هو مستقبلنا المظنون الذي قد لا نشاركها فيه لأننا نكون حينئذ قد غادرنا الحياة ، ومن ثم فلا نواجه نتائج قراراتنا الماضية . بدون استرجاع الماضي وما يمنحنا ذلك من عمق في الرؤية ، وغنى في التجربة