الشيخ محمد مهدي شمس الدين
22
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام
يخاف من المجهول ، ويخاف من المستقبل . . . والإنسان ، قبل كل شئ وبعد كل شئ ، يفكر : يحلل المواقف والمشكلات التي تواجهه ، ويركبها ، ويوازن بين احتمالاتها ، ويرجح ويختار ، ويتحرك وفقا لاختياره ، فهو إذن يستجيب في حركته لعالمه الخارجي ولعالمه الداخلي من موقع الاختيار باعتباره كائنا حرا لا من موقع الضرورة . ومن هنا فإن الخطأ في التحليل والتركيب والاختيار ، والرجوع إلى الوراء في حركته ، وما يؤدي إليه ذلك من خيبات الأمل في خططه ومشاريعه - أمور حدثت للإنسان دائما في حركته التاريخية . ولذا فإن تاريخ الإنسان كما هو سجل مشرق ومشرف لانتصاراته وإنجازاته في الطبيعة والمجتمع هو كذلك سجل كئيب حافل بأخطائه ، وانتكاسات حركته نحو المستقبل ، وخيبات أمله . * ومن أسوأ ما يمكن أن يقع فيه الإنسان من أخطاء : حسبانه في كثير من الحالات أنه كان دائما على صواب ، وأن تاريخه يمثل خطا صاعدا باستمرار ، وأن حركته نحو المستقبل - لذلك - تقدمية دائما ، خيرة دائما ، صائبة دائما ، لا يتخللها خطأ ولا انحراف . ومثل ذلك في السوء حسبانه أن كل ماضيه خطأ وتخلف ، ومن ثم فهذا الماضي لا يستحق منه الالتفات والمراجعة ، وأنه اهتدى إلى النظرة الصائبة في حاضره ، وأنه في حركته نحو المستقبل حليف الصواب والتوفيق باستمرار . إن هذا الحسبان وذلك يحملان الإنسان على ارتكاب مزيد من الأخطاء ، والوقوع في كثير من المآسي وخيبات الأمل . ذلك بأن الإنسان حين يخال حركة التاريخ دائما على صواب فإنه يلغي جميع المؤثرات الإنسانية ، ويسلم نفسه لحركة التاريخ الإنساني كما لو كان هذا التاريخ خاضعا لمنطق الضرورة كتاريخ الجماد والنبات والحيوان . ومن ثم فإنه يرتكب الأخطاء الكبرى وهو يحسب أنه على صواب ، ويصحح أخطاءه بأخطاء أخرى