الشيخ محمد مهدي شمس الدين
10
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام
فإننا نجد : أنه حتى هؤلاء . . بل وحتى كثير من الذين شاركوا في صنع ذلك الحدث لا يستطيعون : أن يقدموا صورة واضحة المعالم عن ذلك الحديث المفترض ، ولا عن علله وأسبابه ، وآثاره ونتائجه . . بل قد نجدهم يعطون تفسيرات مختلفة . . بل وحتى متباينة أحيانا . . رغم افتراضنا مسبقا : أنهم جميعا صادقون في رغبتهم بإعطاء الحقيقة ، كل الحقيقة في هذا المجال . . وما ذلك . . إلا لأن الناس يختلفون في مستويات إدراكهم ووعيهم ، وفي نسبة اطلاعهم على جزئيات وظروف ذلك الحدث . الأمر الذي يؤثر على قدرتهم على فهمه واستيعابه أحيانا ، ثم على ربطه بغيره ، فضلا عن ادراك علله وأسبابه . . ثم آثاره ونتائجه على النحو الأفضل والأتم . . كل ذلك . . فيما لو كان الحدث عاديا ، لا يوجد من يهتم بالتلاعب فيه ، أو بالتعتيم عليه . . فكيف إذن تكون الحال بالنسبة لتلك الأحداث ، التي تشارك في صنعها أيد خفية ، وتعمل على تزييف التعتيم أو على كثير من الحقائق . . ثم على التحوير والتزوير فيها ، وفي خصوصياتها وملامحها . . وإذا كانت الأحداث التي دونت ووصلت إلينا أكثرها أو كثير منها ولا سيما أكثرها حساسية ، وأعظمها أهمية هي من هذا النوع بالذات . . فإننا ندرك : مدى حاجتنا إلى الناقل الخبير ، والناقد البصير في هذا المجال . . كما أننا ندرك مدى أهمية وتأثير الوسائل التي لا بد لنا من الاستفادة منها في الوصول إلى الحقائق ، التي أريد لسبب أو لآخر إحاطتها بستار من الكتمان ، أو بقاؤها رهن الإبهام والغموض . . وبعد كل ما تقدم . . فإننا إذا كنا نعلم : أننا كلما قربنا من مصدر الوحي والرسالة ، والإمامة والعصمة ، فإننا نكون أبعد عن المغالاة والتجني ، وعن الوقوع فريسة للخداع والتضليل . . لأن هذا هو المصدر الوحيد ، الذي لا يعتريه خلل في الرؤية للواقع الموضوعي ، ولا نقص في إدراكاته لحقيقة ما يجري ، ولا مجال للحيلولة بينه وبين الواقع ، واطلاعه عليه كما هو ، ومن دون أي تحوير أو تزوير . . - إذا كنا نعلم ذلك - فإن النهل من هذا النمير العذب ، والاستقاء من هذا المنبع الصافي ، والاعتماد عليه في التعرف على الأحداث والوقائع ، وكل ما يرتبط بها أو يعود إليها ، يصبح أكثر أهمية وخطرا ، وأعظم بركة وأثرا . . حتى إذا تعذر علينا التعرف على نفس الحدث عن هذا الطريق . . فلا أقل من امتلاك الرؤية ، ثم اعتماد المعايير والأسس ، وبعد ذلك الوسائل والأساليب الصحيحة