ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

347

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

وقال بعض الحكماء : إذا عرض لك أمران ولم يحضرك من تثق بمشورته فاجتنب أقربهما إلى هواك وذلك أن الهوى عند أهل الحكمة عدو العقل . قال بعض الملوك لعابدين في زمانه ما يمنعكما من إتياني وأنتما عبدان لي قالا إن صدقتنا علمت أنا لسنا بعبدين لك ولكنك أنت عبد لعبيدنا قال وكيف هذا قالا هل تعلم أنا نعمل شيئا لغضب أو هوى قال لا قالا فهل تفعل أنت ذلك قال نعم قالا فقد ملكتاك وقد ملكناهما وأنت إذا عبد لعبيدنا . لبعضهم : إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى * إلى بعض ما فيه عليك مقال . قيل شيئان لا يعرف فضلهما إلا من قد فقدهما العافية والشباب . من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام ما الجزع مما لا بد منه وما الطمع فيما لا يرجى وما الحيلة فيما سيزول وما الشيء ( 1 ) إلا بأصله وقد مضت أصول نحن فروعها فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله وما الناس في هذه الدنيا إلا أغراض تنتصل فيها المنايا وهم فيها نهب المصائب مع كل جرعة شرق ( 2 ) وفي كل أكلة غصص لا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى ولا يعمر معمر يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله وأنتم أعوان الخوف على أنفسكم فأين المهرب مما هو كائن وإنما ينقلب في قدره الطالب فما أصغر المصيبة اليوم مع عظم الفائدة غدا وأكبر خيبة الخائب فيه والسلم قال بعضهم لآخر والله إني لأعرف أقواما لو علموا أن سف التراب يقيم مراود ( 3 ) أصلابهم لجعلوه مسدة لأرماقهم إيثارا للتنزه عن عيش رقيق الحواشي والله لأن أكون

--> ( 1 ) في بعض النسخ [ وما السيء ] . ( 2 ) شرق بالماء شرقا بالفتح ثم السكون من باب علم : غص في حلقه . غص غصصا بفتحتين بالماء أو الطعام من باب نصر : اعترض في حلقه شيء منه . ( 3 ) في بعض النسخ [ يقيم من أود أصلابهم لجعلوه مسكة لارماقهم ايثارا لكثرة عيش رقيق الحواشي ] ولنوضح المراد بعون الله تعالى فنقول : سف السداء والسويق سفا : أخذه للأكل يابسا لم يخلطه بسمن ولم يبله بماء . ومنه السفوف بالفتح عند الأطباء والمراود جمع المرود بمعنى الميل يكتحل به ومحور البكرة بفتحتين وهي آلة يرفع به الأثقال ، والأود بفتح الهمزة والواو بمعنى الانحناء والاعوجاج . والمسكة بضم الميم : ما يمسك البدن من طعام وشراب . والارماق جمع الرمق وهو بقية الحياة . وعيش رقيق الحواشي أي ناعم رغد فالمعنى أنهم لو علموا إن أكل التراب جافا يقيم ظهرهم ولا يسقطون على وجوههم جوعا لاقتنعوا به وجعلوه سدا لرمقهم لأنهم يؤثرون كثرة التنعم في الآخرة على فأني عيش الدنيا أو يؤثرون التنزه عن الدنيا ورغد عيشها على التدنس بها .