ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
623
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
موسوما بالزهد منخرطا في سلك السياحة متبتلا للعبادة مقتفيا للآثار الصالحة فاتفق يوما أنني كنت بمجلس والدي وكان هذا الشيخ يحدثه وهو مقبل عليه قال كنت ذات ليلة بمسجد جعفي وهو مسجد قديم وقد انتصف الليل وأنا بمفردي فيه للخلوة والعبادة فإذا أقبل على ثلاثة أشخاص فدخلوا المسجد فلما توسطوا صرحته ( 1 ) جلس أحدهم ثم مسح الأرض بيده يمنة ويسرة فحصحص ( 2 ) الماء ونبع فأسبغ الوضوء منه ثم أشار إلى الشخصين الآخرين بإسباغ الوضوء فتوضئا ثم تقدم فصلى بهما إماما فصليت معهم مؤتما به فلما سلم وقضى صلاته بهرني حاله ( 3 ) واستعظمت فعله من إنباع الماء فسألت الشخص الذي كان منهما إلى يميني عن الرجل فقلت له من هذا فقال لي هذا صاحب الأمر ولد الحسن عليه السّلام فدنوت منه وقبلت يديه وقلت له يا ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما تقول في الشريف عمر بن حمزة هل هو على الحق فقال لا وربما اهتدى إلا أنه ما يموت حتى يراني فاستطرفنا هذا الحديث فمضت برهة طويلة فتوفي الشريف عمر ولم يشع أنه لقيه فلما اجتمعت بالشيخ الزاهد ابن نادية ( 4 ) أذكرته بالحكاية التي كان ذكرها وقلت له مثل الراد عليه أليس كنت ذكرت أن هذا الشريف عمر لا يموت حتى يرى صاحب الأمر الذي أشرت إليه فقال لي ومن أين لك أنه لم يره ثم إنني اجتمعت فيما بعد بالشريف أبي المناقب ولد الشريف عمر بن حمزة وتفاوضنا أحاديث والده فقال إنا كنا ذات ليلة في آخر الليل عند والدي وهو في مرضه الذي مات فيه وقد سقطت قوته بواحدة وخفت موته والأبواب مغلقة علينا إذ دخل علينا شخص هبناه واستطرفنا دخوله وذهلنا عن سؤاله فجلس إلى جنب والدي وجعل يحدثه مليا ووالدي يبكي ثم نهض فلما غاب عن أعيننا تحامل والدي وقال أجلسوني فأجلسناه وفتح عينيه وقال أين الشخص الذي كان عندي فقلنا خرج من حيث أتى فقال اطلبوه فذهبنا
--> ( 1 ) صرحة الدار : عرصتها وزنا ومعنى . ( 2 ) الظاهر أنه من قولهم حصحص الحق بالحاء والصاد المهملتين إذا بأن وظهر بعد كتمانه وأما خضخض بالمعجمات كما في بعض النسخ فغير مناسب فان الخضخضة بمعنى التحريك يقال : خضخض الرجل الماء فتخضخض خركه فتحرك . ( 3 ) بهره الشيء : غلبه التعجب منه . ( 4 ) بعض النسخ [ من بادية ] .