ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

557

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

أجله فتغيبونه في صدع من الأرض ثم تتركونه غير موسد ولا ممهد فارق الأحباب وخلع الأسلاب وسكن التراب وواجه الحساب فقيرا إلى ما قدم غنيا عما ترك . قيل اجتاز عمر بن عبد العزيز يوما بالمقابر فلما نظر إلى القبور بكى ثم قال هذه قبور آبائنا وأمهاتنا وأهلنا وجيراننا وحشدنا ( 1 ) شاركوا أهل الدنيا في عيشهم ولذاتهم أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات واستحكم فيهم البلاء فأصابت الهوام في أبدانهم مقبلا ثم بكى حتى غشي عليه ثم أفاق وقال والله ما أعلم أحدا أسعد ممن صار إلى هذه الحفرة ممن قد أمن عذاب الله ثم قال ألا أدلكم على أكفان لا تبلى وزاد لا ينقص قيل وما هما قال العمل الصالح وتقوى الله . وكان يقول إن الدنيا بقاؤها قليل وعزيزها ذليل وغنيها فقير وحيها يموت فلا يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة زوالها وإدبارها فالمغرور من اغتر بها أين سكانها الذين بنوا مدائنها وشققوا أنهارها وأقاموا فيها أياما يسيرة فاغتروا بصحتهم فركبوا المعاصي كانوا والله في الدنيا مغبوطين بالأموال على كثرة المنع محسودين على جمعه كانوا في الدنيا على سرر ممهدة وفرش منضدة ومن خدم يخدمون وأهل يكرمون وجيران يقصدون فنادهم إن كنت مناديا وادعهم إن كنت داعيا فاسأل غنيهم ما بقي من غناه واسأل فقيرهم ما بقي من فقره وأسألهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة والألوان الناعمة ما صنع بها البلى وأثر فيها الثرى فكم من ناعم وناعمة أضحوا ووجوههم بالية وأجسادهم متباينة يا ساكن القبر غدا ما يغرك اليوم من الدنيا هل تظن أنك تستصحب دارك الفيحاء ( 2 ) ونهرك المطرد ( 3 ) وثمارك اليانعة وأطعمتك الحاضرة أو يحمل معك رقاق ثيابك وفاخر طيبك هيهات هيهات كان قد نزل بك ما كنت عنه تحيد وكان يقول تعلموا العلم فإنه زين الغني وعون الفقير ليس بأن يجتذب به الدنيا ولكن يدعوه إلى القنوع وقيل له يوما لو اتخذت حرسيا واحترست في طعامك وشرابك كما فعل من

--> ( 1 ) الحشد بفتحتين : الجماعة . ( 2 ) الفيحاء مؤنث الأفيح وهو الواسع . دار فيحاء : واسعة . ( 3 ) اطرد الأنهار : جرت وهو من باب الافتعال .