ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
424
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
رويدا بسفر الظلام وكان قد وردت الأظعان يوشك من أسرع أن يلحق واعلم أن من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان واقفا ويقطع به المسافة وإن كان مقيما وادعا واعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك وإنك في سبيل من كان قبلك فخفض في الطلب وأجمل في المكتسب فإنه رب طلب قد جر إلى حرب ( 1 ) وليس كل طالب بمرزوق ولا كل مجمل بمحروم فأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا وما خير خير لا ينال إلا بشر ويسر لا ينال إلا بعسر وإياك أن توجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة فإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل فإنك مدرك قسمك وآخذ سهمك وإن اليسير من الله سبحانه أكثر وأعظم من الكثير من خلقه وإن كان كل منه . ومنه أيضا احمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة وعند صدوده على اللطف والمقاربة وعند جموده على البذل وعند تباعده على الدنو وعند شدته على اللين وعند جرمه على العذر حتى كأنك له عبد وكأنه ذو نعمة عليك وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه أو أن تفعله في غير أهله . ومنه أيضا ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه يسعى في مضرته ونفعك وليس من جزاء من سرك أن تسوءه ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى وإنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك وإن جزعت على ما تفلت من يديك فاجزع على كل ما لم يصل إليك استدل على ما لم يكن بما قد كان فإن الأمور أشباه ولا تكونن ممن لا ينفعه العظة إلا إذا بالغت في إيلامه فإن العاقل يتعظ بالأدب والبهائم لا يتعظ إلا بالضرب . وقال الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السّلام قال رجل لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فلان ينظر إلى حرم جاره وإن أمكنه مواقعة حرام لم يرع عنه فغضب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال ائتوني به فقال رجل آخر يا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إنه من شيعتكم ممن يعتقد موالاتك وموالاة علي عليه السّلام ويتبرأ من أعدائكما فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لا تقل من شيعتنا فإنه كذب أن شيعتنا من
--> ( 1 ) لحرب بفتحتين : الهلاك والويل وما يتأسف عليه .