ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
33
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
يدعو إلى المصالح والمحاسن والهوى يدعو إلى المفاسد والمقابح فلو اتبع الحق قائد الهوى لشمل الفساد وعم الاختلاط وخفضت ( 1 ) أعلام الهداية ورفعت منارات الغواية . في قوله تعالى : « أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ » وهذه استعارة ومبناها على أصل معروف في كلام العرب وهو تسميتهم المغتاب بأكل لحوم الناس حتى قال شاعرهم . وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم * وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا . وقال حسان بن ثابت في مرثية ابنه له حصان رزان لا ترن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل ( 2 ) أي تمسك عن غيبة النساء الغافلات عن غيبتها فيكون بإمساكها عن الغيبة التي يسمى صاحبها آكل لحم صاحبه كأنها غرثى أي جائعة لم تطعم شيئا وقوله تعالى فَكَرِهْتُمُوهُ أي عافته نفوسكم . وقال بعضهم تلخيص هذا المعنى أن من دعي إلى أكل لحم أخيه ميتا فعافته نفسه وكرهته من جهة الطبع فإنه ينبغي إذا دعي إلى غيبة أحد أن تعاف ذلك نفسه من جهة عقله فيجب أن يكره هذا عقلا كما كره الأول طبعا لأن داعي العقل بالاتباع أولى من داعي الطبع إذ كان الطبع أعمى جاهلا وداعي العقل بصيرا عالما وكلاهما في صفة الناصح إلا أن نصح العقل سليم مأمون ونصح الطبع ظنين مدخول قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ استعارة والوريد هو العرق الذي يسمى حبل العاتق وهما وريدان عن يمين العاتق وعن شمالها وأراد الله سبحانه أن يعلم غيب الإنسان ووساوس إضماره ومخفي أسراره وكأنه باستبطانه ذلك منه أقرب إليه من وريده لأن العالم بخفايا قلبه أقرب إليه من عروقه وعصبه وليس القرب هاهنا من جهة المسافة والمساحة ولكن من جهة العلم والإحاطة وقوله تعالى وَجاءَتْ
--> ( 1 ) [ في بعض النسخ ] خففت . ( 2 ) حصان كسحاب عفيفة أو متزوجة وزن ككرم ، وقر وهو رزين ورزان . غرث كفرج جاع فهو غرثان وامرأة غرثى .