ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

299

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

* ( نفخة الصور ) * قد عرفت فيما سبق شدة أحوال الميت في سكرات الموت ثم مقاساته لظلمة القبر وديدانه ثم لمنكر ونكير وسؤالهما ثم العذاب وأعظم من ذلك كله الأخطار التي بين يديه من نفخ الصور والبعث يوم النشور والعرض على الجبار والسؤال عن القليل والكثير ونصب الميزان ثم مجاوزة الصراط مع دقته وحدته ثم انتظار النداء عند فصل القضاء فهذه أهوال وأحوال لا بد لك من معرفتها ثم الإيمان بها على سبيل الجزم والتصديق ثم تطويل الفكر فيها لتنبعث من قلبك دواعي الاستعداد لها . وقد قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال الله تعالى شتمني ابن آدم وما كان ينبغي له أن يشتمني وكذبني وما كان له أن يكذبني أما شتمه إياي فيقول إن لي ولدا وأما تكذيبه فيقول لن يعيدني كما بدأني ولذلك قوله تعالى أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وقال تعالى أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 1 ) ففي خلق الآدمي مع كثرة عجائبه واختلاف تركيب أعضائه عجائب يزيد على العجائب في بعثه وإعادته فكيف ينكر ذلك من قدرة الله وحكمته من يشاهد ذلك في صنعه وقدرته فإن كان في إيمانك ضعف فقو الإيمان بالنظر في النشأة الأولى فإن الثانية مثلها وأسهل فإن كنت قوي الإيمان بها فأشعر قلبك المخاوف والأخطار وأكثر فيها التفكر والاعتبار ليستلب عن قلبك الراحة والقرار فتشتغل بالتشمير للعرض على الجبار وتفكر أولا فيما يقرع سمع سكان القبور من شدة نفخ الصور فإنها صيحة واحدة ينفرج بها القبور عن رؤس الموتى يثورون دفعة واحدة فتوهم في نفسك وقد وثبت متغيرا وجهك متغيرا بدنك من قرنك إلى قدمك من تراب قبرك مبهوتا من شدة الصعقة شاخص العينين نحو النداء وقد ثار الخلق ثورة واحدة من القبور التي طال فيها بلاؤهم وقد أزعجهم الفزع والرعب مضافا إلى ما كان عليهم من الغموم والهموم وشدة الانتظار كما قال تعالى : « وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ

--> ( 1 ) سورة القيامة آية 36 .