ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

278

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

قال آخر : إن هذا الموت قد نغص على أهل النعيم نعيمهم فاطلبوا نعيما لا موت فيه وقيل لبعضهم أتحب الموت قال لا قيل ولم قال لو عصيت آدميا ما اشتهيت لقاءه فكيف أحب لقاءه وأنا عاص له . اعلم أن الموت أمر هائل وخطر عظيم وغفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه وذكرهم له ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل بقلب مشغول بشهوات الدنيا فلا ينجع ذكر الموت في قلبه فالطريق إليه أن يفرغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي هو بين يديه كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة خطره أو ركوب البحر فإنه لا يتفكر إلا فيه فإذا باشر ذكر الموت قلبه يوشك أن يؤثر فيه وعند ذلك يقل فرحه وسروره بالدنيا وينكسر قلبه وأرفع طريق فيه أن يكثر ذكر موت أشكاله وأقرانه الذين مضوا قبله فيتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم ويتأمل كيف محا التراب حسن صورهم وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم وكيف أرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم وضيعوا أموالهم وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم وانقطعت آثارهم فمهما تذكر رجلا رجلا وفصل في قلبه حاله وكيفية موته وتوهم صورته ونشاطه وتذكر تردده وأمله للعيش والبقاء ونسيانه للموت وانخداعه بمواتاة الأسباب وركونه إلى القوة والشباب وميله إلى الضحك واللهو وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع ( 1 ) والهلاك السريع وأنه كيف كان يتردد والآن قد تهدمت رجلاه ومفاصله وكيف كان ينطق وقد أكل الدود لسانه وكيف كان يضحك وقد أكل التراب أسنانه وكيف كان يدبر لنفسه ما يحتاج إليه لعشر سنين في وقت واحد وما بينه وبين الموت إلا شهر وهو غافل عما يراد به حتى جاءه الموت في وقت لم يحتسبه فانكشف له التحقيق وقرع سمعه النداء إما بالجنة أو بالنار فعند ذلك ينظر في نفسه أنه مثلهم وغفلته كغفلتهم وستكون عاقبته كعاقبتهم . وقال أبو الدرداء إذا ذكرت الموتى فعد نفسك كأحدهم . وقيل السعيد من وعظ بغيره فملازمة هذه الأفكار وأمثالها مع دخول المقابر

--> ( 1 ) الذريع : من ذرعه القى إذا سبقه وغلبه ولم يمكنه المنع .