ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
275
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
الْحُبُكِ وَالسَّماءِ وَما بَناها وقوله وَالشَّمْسِ وَضُحاها وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها وكقوله فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ وقوله وَالنَّجْمِ إِذا هَوى فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ فقد علمت أن عجائب النطفة القذرة عجز عن معرفتها الأولون والآخرون وما أقسم الله بها فما ظنك بما أقسم الله تعالى به وقد أثنى على المتفكرين فيه فقال وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ويل لمن قرأ هذه الآية ثم مسح بها سبلته أي تجاوز عنها من غير فكر وذم المعرضين عنها فقال وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ ( 1 ) فأي نسبة للأرض والبحار إلى السماء وهذه متغيرات عن القرب والسماوات صلاب شداد محفوظات عن التغير إلى أن يبلغ الكتاب أجله ولذلك سماه الله تعالى سقفا محفوظا فقال وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وقال وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وقال أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها فانظر إلى الملكوت وليس بأن تمد البصر إليه فترى زرقة السماء وضوء الكواكب وتفرقها فإن البهائم تشاركك في هذا النظر وإن كان هذا المراد فلم مدح الله تعالى إبراهيم عليه السّلام بقوله وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ . فأطل أيها العاقل نظرك وفكرك وانظر إلى السماء وكواكبها ودورانها وطلوعها وغروبها وشمسها وقمرها واختلاف مشارقها ومغاربها ودؤوبها ( 2 ) في الحركة على الدوام من غير فتور في حركتها ومن غير تغير في سيرها بل تجري جميعا في منازل مترتبة بحساب مقدر لا يزيد ولا ينقص إلى أن يطويها الله تعالى طي السجل للكتب ثم انظر إلى سير الشمس في فلكها ثم هي تطلع في كل يوم وتغرب فسبحان من خلقها وسخرها ولولا طلوعها ولا غروبها لما اختلف الليل والنهار ولم تعرف المواقيت وأطبق الظلام على الدوام أو الضياء على الدوام وكان لا يتميز وقت المعاش عن وقت الاستراحة فانظر كيف جعل الليل لباسا والنوم سباتا والنهار معاشا وانظر إلى إيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل وإدخاله
--> ( 1 ) سورة الأنبياء : 32 . ( 2 ) الدؤوب وزان المرور مصدر قولهم دأب دأبا في العمل من باب منع : جد وتعب واستمر عليه .