ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

267

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

والفم وسائر المنافذ ثم مد اليد والرجل وقسم رؤسهما بالأصابع وقسم الأصابع بالأنامل ثم كيف ركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرحم والمثانة والأمعاء وكل واحد على شكل مخصوص ومقدار مخصوص ثم كيف قسم كل عضو من هذه الأعضاء بأقسام أخر فركب العين من سبع طبقات لكل طبقة وصف مخصوص وهيئة مخصوصة لو فقدت طبقة منها أو زالت صفة من صفاتها لعطلت العين عن الإبصار فلو ذهبنا نصف ما في آحاد هذه الأعضاء من العجائب والآيات لا نقضي فيه الأعمار فانظر الآن إلى العظام وهي أجسام قوية صلبة كيف خلقها من نطفة سخيفة رقيقة ثم جعلها قواما للبدن وعمادا له ثم قدرها بمقادير مختلفة بأشكال مختلفة فمنه صغير وكبير وطويل ومستدير ومجوف ومصمت وعريض ودقيق فلما كان الإنسان محتاجا إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه للتردد في حاجاته لم يجعله عظما واحدا بل عظاما كثيرة بينها مفاصل حتى يتيسر بها الحركة وقدر شكل كل واحدة منها على وفق الحركة المطلوبة بها ثم وصل مفاصلها وربط بعضها ببعض بأوتار أنبتها من أحد طرفي العظم وألصق بالطرف الآخر كالرباط ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة منه وفي الآخر حفرا غائصة فيه موافقة لشكل الزوائد لتدخل فيها وتنطبق عليها فصار العبد إن أراد تحريك جزء من بدنه لم يمتنع عليه ولولا المفاصل لتعذر عليه ذلك ثم انظر كيف خلق عظام الرأس وكيف جعلها وركبها وقدرها من خمسة وخمسين عظما مختلفة الأشكال والصور فألف بعضها إلى بعض بحيث استوى به كرة الرأس كما تراه فمنها ستة تختص بالقحف وأربعة عشر لللحي ( 1 ) الأعلى واثنان لللحي الأسفل والبقية وهي الأسنان بعضها عريضة تصلح للطحن وبعضها حادة تصلح للقطع وهي الأنياب والأضراس والثنايا ثم جعل الرقبة مركبا للرأس وركبها من سبع خرزات ( 2 ) مجوفات مستديرات فيها تحريفات وزيادات ونقصانات لينطبق بعضها على بعض ويطول ذكر وجه الحكمة فيها ثم ركب الرقبة على الظهر من أسفل الرقبة إلى منتهى عظم العجز من ثلاثة

--> ( 1 ) اللحى وزان الفلس : عظم الحنك الذي عليه الأسنان . ( 2 ) خرزات الظهر : فقراته .