ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
265
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
* ( بيان كيفية التفكر ) * « في خلق الله تعالى » اعلم أن كل ما في الوجود مما سوى الله تعالى من سماء وأرض وما بينهما وما فيهما فهو من خلق الله وكلما في الوجود من جوهر وعرض فيها عجائب وغرائب يظهر فيها حكمة الله وقدرته وجلاله وعظمته وإحصاء ذلك غير ممكن لأنه لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ولكنا نشير إلى جمل منه ليكون ذلك كالمثال لما عداه فالسماوات مشاهدة بكواكبها وشمسها وقمرها وأفلاكها وحركاتها ودورانها في طلوعها وغروبها والأرض بما فيها من جبالها ومعادنها وأنهارها وبحارها وحيوانها ونباتها وما بين السماء والأرض وهو الجو بغيومها وأمطارها وثلوجها ورعدها وبرقها وصواعقها وقواصف ريحها فهذه الأجناس المشاهدة من السماوات والأرض وما بينهما وكل جنس منها ينقسم إلى أنواع وكل نوع ينقسم إلى أقسام ويتشعب كل قسم إلى أصناف ولا نهاية لانشعاب ذلك وانقسامه في اختلاف صفاته وهيئاته ومعانيه الظاهرة والباطنة وجميع ذلك مجال للفكر وكل ذلك في اختلاف صفاته وهيئاته ومعانيه الظاهرة والباطنة شاهد لله تعالى بالوحدانية دال على جلاله وكبريائه وهي الآيات الدالة عليه وقد ورد القرآن بالحث على التفكر في هذه الآيات كما قال تعالى إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآياتٍ ( 1 ) وكما قال وَمِنْ آياتِهِ من أول القرآن إلى آخره . فنذكر كيفية التفكر في بعض الآيات فمن آياته الإنسان المخلوق من النطفة وأقرب شيء إليك نفسك وفيك من العجائب الدالة على عظمة الله تعالى ما تنقضي الأعمار في الوقوف على عشر عشيرة وأنت غافل عنه فيا من هو غافل عن نفسه وجاهل به كيف تطمع في معرفة غيرك وقد أمرك الله تعالى بالتدبر في نفسك في كتابه العزيز فقال وَفِي
--> ( 1 ) سورة آل عمران آية 190 .