ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

260

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

والندم أو هو متعرض لها في نهاره فيستعد للاحتراز والتباعد منها فينظر أولا في اللسان ويقول إنه متعرض للغيبة والكذب وتزكية النفس ( 1 ) والاستهزاء بالغير والمماراة والممازحة والخوض فيما لا يعني إلى غير ذلك من المكاره فيقرر أولا في نفسه أن هذه الأحوال مكروهة عند الله تعالى ويتفكر في شواهد القرآن وأخبار الرسول والتشديد في النهي عنها وما وعد فاعلها من العذاب ثم يتفكر في أحواله أنه كيف يتعرض لها من حيث لا يشعر ثم يتفكر أنه كيف يحترز منها ويعلم أنه لا يتم ذلك إلا بالعزلة والانفراد بأن لا يجالس إلا صالحا ينكر عليه ويزري عليه ( 2 ) مهما تكلم بما يكرهه الله تعالى حتى يصير ذلك مألوفا له فهكذا يكون في حيلة الاحتراز . ويتفكر في سمعه أنه يصغي إلى الغيبة وسماع الكذب وفضول لكلام وإلى اللهو والبدعة وكيف ينبغي أن يحترز منهم بالاعتزال أو بالنهي عن المنكر مهما سمع ذلك . ويتفكر في بطنه أنه إنما يعصي الله فيه بالأكل والشرب إما بكثرة الأكل من الحلال فإن ذلك مكروه عند الله ومقوي للشهوة التي هي سلاح الشيطان عدو الله وإما بأكل الحرام والشبهة فينظر من أين مطعمه وملبسه ومسكنه ويتفكر في طريق الحلال ومداخلة ثم يتفكر في وجوه الحيل في الاكتساب منه والاحتراز من الحرام ويقرر في نفسه أن البدن متى غذي بالحرام علا على القلب منه غشاوة فيصير غافلا وأن الثوب متى كان حراما لم تقبل فيه الصلاة وإن أكل الحلال ولبس الحلال هو أساس العبادات جميعها فهكذا يتفكر في أعضائه جميعها ففي هذا القدر كفاية عن الاستقصاء فمهما حصل بالتفكر حقيقة المعرفة بهذه الأحوال اشتغل بالمراقبة طول النهار حتى يحفظ الأعضاء من جميع القبائح ثم ينظر في الطاعات كيف يؤديها وكيف يحرسها عن النقصان والتقصير وكيف يجبر نقصانها بكثرة النوافل ثم يرجع إلى عضو عضو فيتفكر في الأحوال التي يتعلق بها مما يحبه الله تعالى فيقول مثلا إن العين خلقت للنظر في ملكوت السماوات والأرض عبرة ولتستعمل في طاعة الله ولتنظر في كتاب الله وسنة رسوله عليه صلوات الله وسلامه وأنا قادر على أن أشغل العين بمطالعة القرآن والسنة فلم لا أفعله وأنا قادر على

--> ( 1 ) تزكية النفس : مدحها . تطهيرها واصلاحها والمراد هنا الأول . ( 2 ) زري عليه زريا من باب ضرب . عاب عليه وعاتبه وكذا أزرى عليه . من باب الافعال .