ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
252
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
مقبلة على مقاربتها وتؤكدين في نفسك مودتها فاحسبي أنك غافلة عن عقاب الله وثوابه وعن أهوال القيامة وأحوالها فما أنت مؤمنة بالموت المفرق بينك وبين محبيك ( 1 ) أفترى أن من دخل دار ملك ليخرج من الجانب الآخر فمد بصره إلى وجه مليح يعلم أنه يستغرق ذلك قلبه ثم يضطر لا محالة إلى مفارقته أهو معدود من العقلاء أو من الحمقى أما تعلمين أن الدنيا دار ملك الملوك وما لك فيها إلا مجاز وكل ما فيها لا يصحب المجتازين بها بعد الموت فلذلك قال سيد البشر صلّى الله عليه وآله وسلّم إن روح القدس نفث في روعي أحبب ما أحببت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك تجزى به ( 2 ) وعش ما شئت فإنك ميت ويحك يا نفس أما تعلمين أن كل من يلتفت إلى ملاذ الدنيا ويأنس بها مع أن الموت من ورائه فإنما يستكثر من الحسرة عند المفارقة وإنما يتزود من السم المهلك وهو لا يدري أما تنظرين إلى الذين مضوا كيف بنوا وعلوا ثم ذهبوا وخلوا وكيف أورث الله أرضهم وديارهم أعداءهم أما تراهم كيف يجمعون ما لا يأكلون ويبنون ما لا يسكنون ويأملون ما لا يدركون يبني كل واحد قصرا مرفوعا إلى جهة السماء ومقره قبر محفور تحت الأرض فهل في الدنيا حمق وإيكاس ( 3 ) أعظم من هذا يعمر الواحد دنياه وهو مرتحل عنها يقينا ويخرب آخرته وهو صائر إليها قطعا . أما تستحين يا نفس من مساعدة هؤلاء على حماقتهم واحسبي أنك لست ذات بصيرة تهتدين إلى هذه الأمور وإنما تميلين بالطبع إلى السنة والاقتداء فقيسي عقل الأنبياء والعلماء والحكماء بعقل هؤلاء المكبين على الدنيا واقتدى من الفريقين بمن هو أعقل عندك إن كنت تعتقدين في نفسك العقل والذكاء . يا نفس ما أعجب أمرك وأشد جهلك وأظهر طغيانك عجبا لك كيف تعمين عن هذه الأمور الواضحة الجلية ولعلك يا نفس أسكرك حب الجاه وأدهشك عن فهمك
--> ( 1 ) في بعض النسخ [ وبين أحبائك ] . ( 2 ) في بعض النسخ [ فإنك مجزي به ] . ( 3 ) في بعض النسخ [ أنكاس ] والايكاس مصدر قولهم أوكس التاجر في تجارته إذا خسر وذهب ماله وكذا وكس بالبناء للمجهول كما في أوكس أما الأنكاس بالنون فلم أجده في اللغة نعم النكس كالنصر وزنا وصرفا بمعنى التقليب وبالفارسية « وارونه كردن » .