ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

247

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

واعلم أن أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك وهي أمارة بالسوء ميالة إلى الشر فراره عن الخير وأمرت بتزكيتها وتقويمها وقودها بالقهر إلى عبادة ربها وخالقها وبمنعها عن ميلها إلى شهواتها ولذاتها فإن أهملتها جمحت وشردت ( 1 ) ولم تظفر بها بعد ذلك وإن لازمتها بالتوبيخ والعذل واللائمة كانت النفس المطمئنة التي تدخل في زمرة عباد الله الصالحين فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها ولا تشتغل بوعظ غيرك ما لم تشتغل أولا بوعظ نفسك . قيل أوحى الله تعالى إلى بعض أنبياء بني إسرائيل عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني وقال الله تعالى وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ وسبيلك أن تقبل عليها فتقرر ( 2 ) عندها جهلها وغباوتها فإنها أبدا تتغرر بفطنتها وهدايتها ويشتد أنفها ( 3 ) واستنكافها إذا نسبت إلى الحمق ( 4 ) فتقول لها يا نفس ما أعظم جهلك تدعين الحكمة والذكاء والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وحمقا أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار وأنك صائرة إلى إحداهما على القرب فما لك تفرحين وتضحكين وتشتغلين باللهو وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم وعساك اليوم أو غدا تختطفين ( 5 ) فأراك ترين الموت بعيدا ويراه الله قريبا أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب وأن البعيد ما ليس بآت أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول ومن غير مواعدة ومواطاة وأنه لا يأتي في شتاء دون صيف ولا في صيف دون شتاء ولا في نهار دون ليل ولا في ليل دون نهار ولا يأتي في الصبا دون الشباب ولا في الشباب دون الصبا بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن يكون الموت فيه فجأة وإن لم يكن الموت فيه فجأة فيكون المرض فجأة ثم يفضي إلى الموت فما لك لا تستعدين للموت وهو أقرب إليك من كل قريب أما تتدبرين قوله

--> ( 1 ) شرد شرودا من باب نصر وجمح الفرس جموحا وجمحا وجماحا من باب منع استعصى فغلب على صاحبه وذهب به . ( 2 ) في بعض النسخ [ فتفرد ] . ( 3 ) الأنف وزان المرض : الترفع والتكبر ويصرف من باب علم . ( 4 ) في بعض النسخ [ إلى أن ينسب إلى الحمق ] . ( 5 ) الاختطاف : الأخذ بسرعة .