ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

237

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

ولا نسبة لما أحاط به الخلائق كلهم إلى ما استأثر الله تعالى بعلمه بل كلما علمه الخلق لا يستحق أن يسمى علما في جنب علم الله تعالى . فبالنظر في هذا وأمثاله تزداد المعرفة وبزيادة المعرفة تزداد المحبة فإن كنت طالبا سعادة لقاء الله فانبذ الدنيا وراء ظهرك واستغرق العمر في الذكر الدائم والفكر اللازم فعساك تحظى منها بقدر يسير ولكن تنال بذلك اليسير ملكا عظيما لا آخر له فأولوا النظر والفكر إذا اطلعوا على عجائب صنع الله تعالى في خلقه رأوا من عجائب صنعه ما يبهر به ( 1 ) عقولهم ويتحير فيه لبهم فيزدادون لا محالة إجلالا لله تعالى وإعظاما وكلما ازدادوا على أعاجيب صنع الله اطلاعا استدلوا بذلك على عظمة الصانع وجلاله وازدادوا به معرفة وله حبا عاملين بكثير من الطاعات مجانبين كثيرا من المذمومات مثال ذلك أن من كان عالما بالفقه له مصنفات كثيرة إذا نظر فقيه في مصنفاته رأى منها ما يعجبه فاستحسنه عرف به فضله أحبه لا محالة وكلما اطلع في مصنفاته ازداد له حبا وكذلك يعتقد الرجل في الشاعر أنه جيد الشعر فيحبه وإذا سمع من غرائب شعره ما عظم به حذقه وصنعته ازداد به معرفة وازداد له حبا وكذلك سائر الصناعات والفضائل والعامي قد يسمع أن فلانا مصنف وأنه حسن التصنيف ولكن لا يدري ما في التصنيف فيكون معرفته به ناقصة وحبه له قليل والبصير إذا فتش على التصانيف واطلع على ما فيها من العجائب تضاعف حبه له لا محالة لأن عجائب الصنعة والشعر والتصنيف تدل على كمال صفات الفاعل فتزداد القلوب له محبة فإذا رسخت المحبة حصل منها الرضا بجميع ما يأتي من قبل الله تعالى من مرض وصحة وفقر وغنى وشدة ورخاء وبؤس ولأواء ( 2 ) . قيل إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مر بقوم فقال لهم ما أنتم فقالوا مؤمنون فقال ما علامة إيمانكم قالوا نصبر على البلاء ونشكر عند الرخاء ونرضى بمواقع القضاء فقال مؤمنون برب الكعبة

--> ( 1 ) في بعض النسخ [ ما يقهر به ] . ( 2 ) اللاواء وزان الحمراء : الشدة والمحنة .