ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

234

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

من المقادير وما أحقر الأرض كلها بالإضافة إليها بل ما أصغر الأرض بالإضافة إلى البحار فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الأرض في البحر كالإصطبل في الأرض وهذا معروف بالمشاهدة والتجربة ومعلوم أن المكشوف من الأرض عن الماء كجزيرة صغيرة بالإضافة إلى كل الأرض ثم انظر إلى المخلوق في الأرض وإلى سائر الحيوانات وإلى صغره بالإضافة إلى الأرض ودع عنك ذلك فأصغر ما تعرفه من الحيوانات البعوض والنمل وما يجري مجراه فانظر في البعوض على صغر قدره وتأمل بعقل حاضر وفكر صاف وانظر كيف خلقه الله تعالى على شكل الفيل الذي هو أعظم الحيوانات إذ خلق له خرطوما مثل خرطومه وخلق له على شكله الصغير مثل سائر أعضاء الفيل بزيادة جناحين وانظر كيف قسم الله أعضاءه الظاهرة فأنبت جناحه وأخرج يده ورجله وشق سمعه وبصره ودبر في باطنه من أعضاء الغذاء وآلاته ما دبره في سائر الحيوانات وركب فيها من القوى الغاذية والجاذبة والدافعة والماسكة والهاضمة ما ركب في سائر الحيوانات بدل شكله وصغره ثم انظر إلى هدايته كيف هداه الله تعالى إلى غذائه وعرفه غذائه ثم كيف أنبت له آلة الطيران وكيف خلق له الخرطوم الطويل وهو محدد الرأس وكيف هداه إلى مسام بشرة الإنسان حتى يضع خرطومه في أحد منها ثم كيف قواه على غرز ( 1 ) الخرطوم فيه وكيف علمه المص والتجرع للدم وكيف خلق الخرطوم مع دقته مجوفا حتى يجري فيه الدم الرقيق وينتهي إلى باطنه ويسير في سائر أجزائه ويغذيه ثم كيف عرفه أن الإنسان يقصده بيده فعلمه حيلة الهرب واستعداد آلته وخلق له السمع الذي يسمع به حفيف ( 2 ) حركة اليد وهي بعد بعيد منه فيترك المص ويهرب ثم إذا سكنت اليد يعود ثم انظر كيف خلق له حدقتين حتى يبصر موضع غذائه فيقصده مع صغر حجم وجهه وانظر إلى حدقة كل حيوان صغير لما لم تحتمل الأجفان حدقته لصغره وكانت الأجفان مصقلة لمرآة الحدقة عن القذى والغبار خلق الله للبعوض والذباب يدين فتنظر إلى الذباب فتراه على الدوام يمسح حدقتيه بيديه وأما الإنسان والحيوان الكبار خلق لحدقيته الأجفان حتى يطبق

--> ( 1 ) غرز غرزا من باب ضرب : أدخل كما يقال غرزت ، الإبرة في الشيء والعود في الأرض . ( 2 ) حفيف الشيء بالحاء المهملة : ما يبدي من صوته عند حركته ويصرف من باب ضرب .