ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

228

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

وأهمل العمل وإن كان كيسا قال أتذكرني فضائل العلم وتنسيني ما ورد في العالم الفاجر الذي لا يعمل بعلمه كقوله تعالى كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ( 1 ) وكقوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ( 2 ) فأي خزي أعظم من التمثيل بالكلب والحمار وقد قال صلّى الله عليه وآله وسلّم من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا . وكقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم شر الناس علماء السوء وقول مقسم بن أبي الدرداء ويل للذي لا يعلم مرة وويل للذي يعلم سبع مرات أي إن العلم حجة عليه إذ يقال ما ذا عملت فيما علمت وكيف قضيت شكر الله . وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم أشد الناس عذابا في القيامة عالم لم يعمل بعلمه ولم ينفعه علمه فما أوردناه لا يوافق العالم الفاجر بل ما ورد في فضل العلم يوافقه فيميل الشيطان قلبه إليه وإلى ما يهواه وذلك عين الغرور فإنه إن نظر بعين البصيرة فمثاله ما ذكرناه وإن نظر بعين الإيمان فالذي أخبره بفضيلة العلم هو الذي أخبره بذم العالم السوء وإن حالهم عند الله أشد من حال الجهال . ومثل العالم بالله وصفاته وأسمائه وهو يهمل العمل ويضيع أمر الله تعالى وحدوده مثل من أراد خدمة ملك فعرف الملك وعرف أخلاقه وأوصافه ولونه وشكله وطوله وعرضه وعادته ومجلسه إلا أنه قصد خدمته وهو ملابس لجميع ما يغضب عليه وعاطل عن جميع ما يحبه من زي ( 3 ) وهيئة وحركة وسكون متلطخا بجميع ما يكرهه الملك متوسلا إليه بمعرفته له ونسبه واسمه وصورته وعادته في سياسة غلمانه فهذا مغرور جدا إذ لو أضاف إلى معرفته باسمه ونسبه وعادته التلبس بمحبوباته والامتثال لأمره لكان ذلك أقرب إلى نيل المراد من قربه والاختصاص به غير أن تقصيره في التقوى واتباعه الشهوات يدل على أنه لم يكن له من معرفة الله تعالى إلا الأسامي دون المعاني إذ لو عرف الله حق معرفته لخشيه واتقاه فلا يتصور أن يعرف الأسد عاقل

--> ( 1 ) سورة الأعراف آية 176 . ( 2 ) سورة الجمعة آية 5 . ( 3 ) في بعض النسخ [ من زين ] .