ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
226
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
لا يتفكره متفكر إلا ويطول حزنه ويعظم خوفه وقد قال تعالى ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ الناس يهذونه هذا ( 1 ) يخرجون الحروف من مخارجها ويناظرون على رفعها وخفضها ونصبها كأنهم يقرؤن شعرا من أشعار العرب لا يهمهم الالتفات إلى معانيها والعمل بما فيها وهل في العالم غرور يزيد على هذا . ومن الناس من يظن أن طاعته أكثر من معاصيه لأنه لا يحاسب نفسه ولا يتفقد معاصيه وإذا عمل طاعة حفظها واعتد بها كالذي يستغفر الله بلسانه أو يسبح في اليوم مائة مرة ثم يغتاب المسلمين ويمزق أعراضهم ويتكلم بما لا يرضاه الله طول نهاره من غير حصر ولا عدد ويكون نظره إلى عدد سبحته أنه استغفر مائة مرة وغفل عن هذيانه طول نهاره الذي لو كتبها لكان مثل تسبيحه مائة ألف مرة وقد كتبها الكرام الكاتبون ووعده الله العقاب على كل كلمة . وقال ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ( 2 ) فهو أبدا يتأمل في فضائل التسبيحات والتحميدات والتهليلات ولا يلتفت إلى ما ورد في عقوبة المغتابين والكذابين والمنافقين والنمامين . ولعمري لو كان الكرام الكاتبون يطلبون منه أجرة التسبيح وما يكتبونه من هذيانه الذي زاد على تسبيحه لكان عند ذلك يكف لسانه عن جملة من مهماته وكان يعدها ويحسبها ويوازنها بتسبيحاته حتى لا يفضل عليه أجرة فيا عجبا لمن يحاسب نفسه ويحتاط خوفا على قيراط يفوته في الآخرة ( 3 ) على التسبيح ولا يحتاط خوفا على فوت الفردوس الأعلى ونعيمها ما هذه إلا مصيبة عظيمة لمن تفكر فيها فهذا أمر إن شككنا فيه كنا من الكفرة الجاحدين وإن صدقنا به كنا من الحمقى المغرورين فما هذه أعمال من يصدق بالقرآن وما جاء به نبي الرحمة صلّى الله عليه وآله وسلّم فإنا نبرأ ( 4 ) إلى الله تعالى أن نكون من أهل الكفران ومن المغترين اتكالا على أباطيل المنى وتعاليل الشيطان وهوى النفس .
--> ( 1 ) هذه هذا وهذاذا من باب نصر قطعه سريعا والمراد هنا سرعة القراءة . ( 2 ) سورة ق 51 آية 18 . ( 3 ) بعض النسخ [ الاجزاء ] . ( 4 ) في بعض النسخ [ فأنا براء ] .