ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
205
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
في أيام متفاوتة منقضية وتكون في الدنيا كملك من ملوك الدنيا قد أمكنته الشهوات وساعدته اللذات ولكن في بدنه سقم هو يخاف الهلاك على نفسه في كل ساعة لو اتسع في الشهوات وعلم أنه لو احتمى وجاهد شهوته عاش ودام ملكه فلما عرف ذلك جالس الأطباء وحارف الصيادلة ( 1 ) وعود نفسه شرب الأدوية المرة فصبر على بشاعتها وهجر جميع اللذات وصبر على مفارقتها فبدنه يزداد كل يوم نحولا بقلة أكله ولكن سقمه كل يوم يزداد نقصانا لشدة احتمائه فمهما نازعته نفسه إلى شهوة تفكر في توالى الآلام والأوجاع عليه وأداء ( 2 ) ذلك إلى الموت المفرق بينه وبين مملكته الموجب لشماتة الأعداء ومهما اشتد عليه شرب دواء تفكر فيما يستفيد منه من الشفاء الذي هو سبب التمتع بملكه ونعيمه في عيش هنيء وبدن صحيح وقلب رخي وأمر نافذ فتخف عليه مهاجرة اللذات فكذلك المؤمن المريد لملك الآخرة احتمى عن كل مهلك في آخرته ونفى لذات الدنيا وزهرتها فاجتزى منها بالقليل واختار النحول والذبول والحزن والخوف خوفا من أن يحل عليه غضب الله فيهلك ورجاء أن ينجو من عذابه فخف ذلك كله عليه عند شدة يقينه وإيمانه بعاقبة أمره وبما أعد الله تعالى له من النعيم المقيم في رضوان الله تعالى أبد الآباد ثم علم أن الله تعالى كريم رحيم لم يزل لعباده الراغبين في مرضاته عونا وبهم رؤوفا وعليهم عطوفا تم كتاب الرياء . * ( بيان ذم الكبر ) * قد ذم الله الكبر في عدة مواضع من كتابه وذم كل جبار متكبر فقال تعالى : « سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ » ( 3 ) . وقال تعالى : وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ ( 4 ) . وقال تعالى : الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ
--> ( 1 ) الصيادلة جمع الصيدلي وهو بياع الأدوية والعقاقير كالصيدلاني . ( 2 ) بعض النسخ [ أدى ] وبعضها [ أداه ] . ( 3 ) سورة الأعراف آية 146 . ( 4 ) سورة النساء آية 172 .