ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

203

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

خاطر الرياء وألزم قلبك الحياء من الله تعالى إذ دعتك نفسك إلى أن تستبدل بحمده حمد المخلوقين وهو مطلع على قلبك ولو اطلع الخلق على قلبك وإنك تريد حمدهم لمقتوك بل إن قدرت على أن تزيد في العمل حياء من ربك وعقوبة لنفسك فافعل فإن قال الشيطان أنت مرائي فاعلم كذبه بما تصادف في قلبك من كراهة الرياء . وإن لم تجد في قلبك كراهية للرياء ولا باعثا دينيا بل مجرد باعث الرياء فحينئذ ينبغي أن تترك العمل عند ذلك وهو بعيد ممن شرع في العمل لله فإنه لا بد أن يبقى معه أصل قصد الثواب . ثم بعد ذلك جميعه ينبغي أن يلزم قلبه في سائر أوقاته القناعة بعلم الله تعالى في جميع طاعاته ولا يقنع بعلم الله إلا من لا يخاف إلا الله ولا يرجو إلا الله فإن من خاف غيره وارتجاه اشتهى اطلاعه على محاسن أعماله وأحواله فإن كان في هذه الرتبة فليلزم قلبه كراهة ذلك من جهة العقل والإيمان لما فيه من خطر التعرض للمقت وليراقب نفسه على الطاعات العظيمة الشاقة التي لا يقدر عليها غيره فإن النفس عند ذلك تكاد تغلي ( 1 ) حرصا على الإفشاء وتقول مثل هذا العمل العظيم أو الخوف العظيم والبكاء العظيم لو عرفه الخلق لكان أحسن من يقدر على ذلك ( 2 ) فكيف ترضى بإخفائه فيجهل الناس محلك وينكرون قدرك ويحرمون عن الاقتداء بك ففي مثل هذا الأمر ينبغي أن يثبت قدمه ويتذكر في مقابلة عظم عمله عظم نعم الله عليه من الإيجاد والإحياء والإقدار والتمكين والتسهيل وعظم ملك الآخرة ونعيم الجنة ودوامها أبد الآباد وعظم غضب الله ومقته على من طلب بطاعته ثوابا من عباده ويعلم أن طلب إظهاره لغيره تحبب إليهم وسقوط عند الله فيقول وكيف أبيع مثل هذا العمل بحمد الخلق وهم عاجزون لا يقدرون لي على رزق وأجل فيلزم ذلك قلبه ولا ينبغي أن يعجز نفسه ويقول إنما يقوى على الإخلاص الأقوياء فأما المخلطون فليس ذلك من شأنهم فيترك المجاهدة في الإخلاص وهذا جهل بل ينبغي أن يجتهد في الإخلاص لله بحيث لا يريد بعمله إلا وجه الله تعالى لأن الله تعالى لا يقبل العمل إلا إذا كان خالصا وهو من مقدور

--> ( 1 ) في بعض النسخ [ تقلى ] . ( 2 ) بعض النسخ [ على مثل ذلك ] .