ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
200
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
حسناته لو خلص لله فإذا فسد بالرياء حول إلى كفة السيئات فترجح به ويهوي إلى النار فلو لم يكن في الرياء إلا تحويل العمل من الثواب إلى العقاب لكان ذلك كافيا في معرفة ضرره وقد كان ينال في هذه الحسنة علو الرتبة عند الله في زمرة النبيين والصديقين وقد حط عنهم بسبب الرياء ورد إلى زمرة العاصين هذا مع ما يعرض له في الدنيا من تشتت الهم ( 1 ) بسبب ملاحظة قلوب الخلق فإن رضا الناس غاية لا تدرك فكلما رضي به فريق يسخط به فريق ورضا بعضهم في سخط بعضهم ومن طلب رضاهم في سخط الله سخط الله عليه وأسخطهم أيضا عليه ثم أي غرض له في مدحهم وإيثار ذم الله لأجل حمدهم ولا يزيده حمدهم رزقا ولا أجلا ولا ينفعه يوم فقره وفاقته وهو يوم القيامة . وأما الطمع لما في أيديهم فبأن يعلم أن الله تعالى هو الرزاق وعطاؤه خير العطاء ومن طمع في الخلق لم يخل عن الذل والخيبة وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنة والمهانة فكيف يترك العاقل ما عند الله برجاء كاذب ووهم فاسد قد يصيب وقد يخطئ وإذا أصاب فلا تفي لذته بألم منته ومذلته فينبغي أن يقرر في نفسه هذه الأسباب وضررها وما يصير مالها فتفتر رغبته ويقبل على الله بقلبه فإن العاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره ويقل نفعه ويكفيه أن الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء وإظهار الإخلاص لمقتوه وسيكشف الله تعالى عن سره حتى يبغضه إلى الناس ويعرفه أنه مرائي ممقوت عند الله ولو أخلص لله لكشف الله لهم إخلاصه وحببه إليهم وسخرهم له وأطلق ألسنتهم بحمده والثناء عليه مع أنه لا كمال مع مدحهم ولا نقصان في ذمهم كما قال شاعر بني تميم فإن مدحي زين وإن ذمي شين فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كذبت ذاك الله عز وجل لا إله إلا هو إذ لا زين إلا في مدح الله ولا شين إلا في ذمه فأي خير لك في مدح الناس وأنت عند الله مذموم ومن أهل النار وأي شر لك في ذم الناس وأنت عند الله محمود في زمرة النبيين المقربين . فمن أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها المؤبد والمنازل الرفيعة عند الله استحقر ما يتعلق بالخلق أيام الحياة مع ما فيه من الكدورات والمنقضات ( 2 ) وجمع همه وصرف
--> ( 1 ) في بعض النسخ [ تشبث الهم ] . ( 2 ) في بعض النسخ [ والمبغضات ] .