ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

192

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

فإن الجاه وسيلة إلى الأغراض كالمال فلا فرق بينهما إلا أن التحقيق في هذا يقتضي أن لا يكون المال والجاه في أعيانهما محبوبين بل ينزل ذلك منزلة حب الإنسان أن يكون في داره بيت ماء لأنه يضطر إليه لقضاء حاجته ويود لو استغنى عن قضاء الحاجة حتى يستغني عن بيت الماء وهذا على التحقيق ليس بمحب لبيت الماء وكلما يراد التوسل به إلى محبوب فالمحبوب المقصود لا المتوسل به ( 1 ) . اعلم أن أكثر الخلق إنما هلكوا لخوف مذمة الناس وحب مدحهم فصارت حركاتهم وسكناتهم كلها موقوفة على ما يوافق رضا الناس رجاء للمدح وخوفا من الذم وذلك من المهلكات فلا ينبغي للإنسان أن يفرح بمدح المادح بل يعرض ذلك على نفسه وعقله وينصف من نفسه فإن كان يوافق لما يقال فيه فيشكر الله تعالى ويكون فرحه بفضل الله تعالى عليه وما من به عليه من الألطاف والحسنى ولا يسكن نفسه إلى ذلك المدح بل يزرى عليها طلبا للزيادة فيما آتاه الله وإن كان خاليا من ذلك ففرحه بالمدح غاية الجنون ويكون مثاله مثال من يهزأ به إنسان ويقول سبحان الله ما أكثر العطر الذي في أحشائه وما أطيب الروائح التي تفوح منه إذا قضى حاجته وهو يعلم ما يشتمل عليه أمعاؤه من الأقذار والأنتان ثم يفرح به فكذلك إذا أثنوا عليكم بالصلاح والورع ففرحت به والله مطلع على خبائث باطنك وغوائل سريرتك كان ذلك من غاية الجهل فإذا المادح إن صدق فليكن فرحك بصفتك التي هي من فضل الله عليك وإن كذب فينبغي أن يغمك ذلك ولا تفرح به . ويجب أن تعلم أن طلب المنزلة في قلوب الناس وفرحك بها يسقط منزلتك عند الله فكيف تفرح به بل ينبغي أن يغمك مدح المادح وتكرهه وتغضب به فإنه قيل إن من فرح بمدح المادح فقد أمكن الشيطان من أن يدخل في بطنه . وقال بعضهم إذا قيل لك نعم الرجل أنت فكان أحب إليك من أن يقال بئس الرجل أنت فأنت والله بئس الرجل . ومن ذمك لا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يكون قد صدق فيما قال وقصد النصح

--> ( 1 ) في بعض النسخ [ لا التوسل به إليه ] .