ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

187

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها وأنت في غفلة قد حرمت نعيم الآخرة بسبب نعيم الدنيا فيا لها حسرة ومصيبة نعم وعساك تجمع المال للتكاثر والعلو والفخر والزينة في الدنيا . وقد بلغنا أن من طلب الدنيا ليكاثر بها أو ليفاخر بها لقي الله تعالى وهو عليه غضبان وأنت غير مكترث لما حل بك من غضب الله حين أردت التكاثر والعلو نعم وعساك المكث في الدنيا أحب إليك من النقلة إلى جوار الله تعالى وأنت تكره لقاء الله تعالى والله للقائك أكره وأنت في غفلة وعساك أن تأسف على ما فاتك من عرض الدنيا . وقد بلغنا أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال من أسف على دنيا فاتته اقترب من النار مسيرة شهر وأنت تأسف على ما فاتك غير مكترث ( 1 ) بقربك من عذاب الله نعم ولعلك تخرج من دينك أحيانا لتوفير دنياك وتفرح بإقبال الدنيا عليك وترتاح لذلك سرورا . وقد بلغنا أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال من أحب دنياه وسر بها ذهب خوف الآخرة من قلبه وعساك مصيبتك في معاصيك أهون من مصيبتك في انتقاص دنياك نعم وخوفك من ذهاب مالك أكثر من خوفك من الذنوب وعساك ترضى المخلوقين بمساخط الله كيما تكرم وتعظم ويحك فكأن احتقار الله لك في القيامة أهون من احتقار الناس إياك وعساك تخفي من المخلوقين مساويك ولا تكترث باطلاع الله عليك فيها وكان الفضيحة عند الله أهون عليك من الفضيحة عند الناس وكان العبد عندك أعلى قدرا من الله . قيل صحب رجل عيسى ابن مريم عليه السّلام فقال أكون معك وأصحبك فانطلقا فانتهيا إلى شط نهر فجلسا يتغذيان ومعهما ثلاثة أرغفة فأكلا رغيفين وبقي رغيف فقام عيسى عليه السّلام إلى النهر فشرب ماء ثم رجع فلم يجد الرغيف فقال للرجل من أخذ الرغيف قال لا أدري قال فانطلق ومعه صاحبه فرأى ظبية معها خشفان ( 2 ) لها فدعا أحدهما فأتاه فذبحه فأشوى منه فأكل هو وذلك الرجل ثم قال للخشف قم بإذن الله فقام فذهب فقال للرجل : أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف قال لا أدري ثم انتهيا إلى وادي ماء

--> ( 1 ) اكترت للأمر - بالي به يقال - هو لا يكترث لهذا الأمر أي لا يعبأ به ولا يباليه . ( 2 ) الخشف بتثليث الخاء : ولد الظبي أول ما يولد .