ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

185

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

ويحك أيها المغرور احتجاجك بمال عبد الرحمن بن عوف مكيدة من الشيطان ومن الذي يسلم لك أن مال عبد الرحمن كان صالحا مشكورا عليه بلغني أنه لما توفي عبد الرحمن بن عوف قال أناس من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إنا لنخاف على عبد الرحمن فيما تركه فقال كعب وما تخافون عليه كسب طيبا وأنفق طيبا وترك طيبا فبلغ ذلك أبا ذر رحمه الله فخرج مغضبا يريد كعبا فمر بلحيي ( 1 ) عظم بعير فأخذه بيده ثم انطلق يطلب كعبا فقيل لكعب إن أبا ذر يطلبك فخرج هاربا حتى دخل على عثمان يستغيث به وأخبره الخبر فأقبل أبو ذر يقتص الأثر في طلب كعب حتى انتهى إلى دار عثمان فلما دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هاربا من أبي ذر رضي الله عنه فقال أبو ذر هيه يا ابن اليهودية تزعم أنه لا بأس بما ترك عبد الرحمن لقد خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم نحو أحد وأنا معه فقال يا أبا ذر فقلت لبيك يا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال : الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة ( 2 ) إلا من قال : هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله وقدامه وخلفه وقليل ما هم ثم قال : يا أبا ذر فقلت نعم يا رسول الله صلى الله عليك وسلم بأبي أنت وأمي قال وما سرني أن يكون لي مثل أحد أنفقه في سبيل الله ثم أموت يوم أموت ولا أترك منه قيراطين ثم قال يا أبا ذر أنت تريد الأكثر وأنا أريد الأقل فرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يريد هذا وأنت تقول يا ابن اليهودية : لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف كذبت وكذب من قال فلم يرد عليه حرفا حتى خرج . ومتى زعمت أن أخذ المال الحلال أفضل وأعلى من تركه فقد أزريت ( 3 ) بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم والمرسلين ونسبتهم إلى قلة الرغبة في الزهد ومتى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى من تركه فقد زعمت أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لم ينصح الأمة إذ نهاهم عن جمع المال ( 4 ) كذبت ورب السماء على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لقد كان للأمة ناصحا وعليهم مشفقا وبهم رؤوفا .

--> ( 1 ) في بعض النسخ [ فمر بألخى عظم بغير ] والألخى كما في صحاح الجوهري : المعوج . ( 2 ) معناه أن الأغنياء في الدنيا فقراء في الآخرة . ( 3 ) أزري به وأزراه : عابه ووضع من حقه . ( 4 ) بعض النسخ [ وقد علم إن جمع المال خير للأمة فقد غشهم بزعمك حين لها هم عن جمع المال ] .