ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
171
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
إلا أن يقنع بقدر الضرورة من المطعم والمشرب والملبس ويقتصر على أقله قدرا ولا يتشوق إلى الكثرة وطول الأمل فإن ذلك غير القناعة ويتدنس لا محالة بالطمع وذل الحرص ويجره الحرص والطمع إلى مساوي الأخلاق وارتكاب المنكرات الخارقة للمروات وقد جبل الآدمي على الحرص والطمع وقلة القناعة قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى وراءهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب على من تاب . وقال منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال . وقال يهرم ابن آدم ويشب منه اثنتان الأمل وحب المال . ولما كانت هذه جبلة الآدمي مضلة وغريزة مهلكة أثنى الله ورسوله على القناعة . وقال طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به . وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم ليس الغنى كثرة العرض ( 1 ) إنما الغنى غنى النفس . ونهى عن شدة الحرص والمبالغة في الطلب فقال ألا أيها الناس أجملوا في الطلب فإنه ليس للعبد إلا ما كتب له وليس يذهب عبد في الدنيا حتى يستكمل ما كتب له في الدنيا وهي راغمة . وروي أن موسى عليه السّلام سأل الله تعالى فقال أي عبادك أغنى فقال أقنعهم بما أعطيته قال وأيهم أعدل قال من أنصف من نفسه . وروى ابن مسعود قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب . وقال أبو هريرة قال لي النبي يا أبا هريرة إذا اشتد بك الجوع فعليك برغيف وكوز من ماء وعلى الدنيا الدمار ( 2 ) . وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم كن ورعا تكن أعبد الناس وكن قنعا تكن أشكر الناس وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا .
--> ( 1 ) العرض بفتحتين : المتاع . حطام الدنيا . ( 2 ) الدمار : الهلاك وزنا ومعنى .