ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

162

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

الحمد لله على القناعة فقال سلمان لو كنت قنعت لما كانت ركوتي ( 1 ) مرهونة ، فانظر إلى هذين السيدين الكريمين المحتشمين كيف رأيا الخل والبقل زيادة وروي أن أمير المؤمنين عليه السّلام كان أكله قرص الشعير والملح الجريش . وروي أنه كتب إلى بعض عماله يقول له إن إمامك علي بن أبي طالب قد اقتنع من دنياه بطمريه ( 2 ) ويسد فورة جوعه بقرصيه ولا يطعم الفلذة إلا في سنة أضحية ولن تقدروا على ذلك فأعينوني بورع واجتهاد انظر إلى هذا الرجل الجليل القدر العظيم الخطر لما علم حال الدنيا بنظره الثاقب كيف لفظها لفظا غير مكترث بها وكان أقدر الناس عليها . لقوله والله لو شئت لتسربلت الدمقس ( 3 ) من ديباجكم وأكلت لباب البر بصدور دجاجكم ولشربت الماء الصافي في رقيق زجاجكم وأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لما أقبل عليه مصعب بن عمير وعليه إهاب ( 4 ) كبش قال انظروا إلى رجل قد نور الله قلبه ولقد رأيته وهو بين أبويه يغذيانه بأطيب الأطعمة وألين اللباس فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون ، وأن أويس القرني كان يظن أهله أنه مجنون لكثرة عبادته وتضييقه على نفسه في المطعم فبنوا له بيتا على باب دورهم فكان يأتي عليهم السنة والسنتان لا يرون له وجها وكان يخرج أول الأذان ويأتي منزله العشاء الآخرة حتى أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن إشارة إليه ( رض ) ، فالزائد عنه من هذه الدنيا يلهي واليسير منها ما يصلح به حاله يكفي ويبلغ إلى خير الآخرة ونعيمها . ومثال العبد في نسيان نفسه ومقصده مثال الحاج الذي يقف في منازل الطريق ولا يزال يعلف الناقة ويتعهدها ويتلطفها ويكسوها ألوان الثياب ويحمل عليها أنواع الحشيش ويبرد لها الماء فيشتغل بذلك فتفوته القافلة وهو غافل عن الحج وعن مرور القافلة وعن بقائه في البادية فيهلك وتفترسه السباع هو وناقته والحاج البصير لا يهمه

--> ( 1 ) الركوة - بالفتح - دلو صغير يشرب فيه الماء والجمع ركاء وركوات . ( 2 ) الطمر وزان الحبر : الثوب البالي . والجمع أطمار . ( 3 ) الدمقس - كالهزبر - الحرير الأبيض . ( 4 ) الإهاب - كالكتاب - : الجلد ما لم يدبغ .