ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

159

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

مثال آخر لتنعم الناس بالدنيا ثم تفجعهم على فراقها : اعلم أن مثل الناس فيما أعطوا من الدنيا مثل رجل هيأ دارا وزينها وهو يدعوا إلى داره على الترتيب قوما واحدا بعد واحد فدخل واحد داره فقدم إليه طبق من ذهب عليه بخور ورياحين يشمها ويتركه لمن يلحقه فجهل رسمه وظن أنه قد وهب ذلك له فتعلق به قلبه لما ظن أنه له فلما استرجع منه حزن وتفجع ومن كان عالما برسمه انتفع به وشكره ورده بطيبة قلب وانشراح صدر وكذلك من عرف سنة الله في الدنيا علم أنها دار ضيافة سبلت على المجتازين لا على المقيمين ليتزودوا منها وينتفعوا بما فيها كما ينتفع المسافرون بالعواري ولا يصرفون إليها كل قلوبهم حتى تعظم مصيبتهم عند فراقها فهذه أمثلة الدنيا وآفاتها . بيان حقيقة الدنيا وماهيتها في حق العبد اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا يكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي وما الذي ينبغي لك أن تجتنب منها وما الذي لا يجتنب فلا بد وأن تبين الدنيا المذمومة المأمور باجتنابها لكونها عدوه الله قاطعة لطريق أولياء الله . فنقول دنياك وآخرتك عبارتان عن حالتين من أحوال قلبك والقريب الداني منهما يسمى الدنيا وهي كل ما قبل الموت والمتأخر المتراخي يسمى آخرة وهي ما بعد الموت فكلما لك فيها غرض ونصيب وشهوة ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك إلا أن كل ما لك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم بل هي ثلاثة أقسام : القسم الأول ما يصحبك في الآخرة وتبقى معك ثمرته بعد الموت وهو شيئان العلم والعمل فقط وأعني بالعلم العلم بالله وبجميع صفاته وأفعاله وملائكته ورسله وملكوت