ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

153

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

باقية فيتزودوا من الدنيا كزاد الراكب ويخربوا الدنيا ويعمروا بها الآخرة وينظروا إلى الآخرة بقلوبهم ويعلموا أنهم سينظرون إليها بأعينهم ويرتحلون إليها بقلوبهم كما يعلمون أنهم سيرحلون إليها بأبدانهم ويصبرون قليلا وينعمون طويلا . اعلم أن الدنيا سريعة الفناء قريبة الانقضاء تعد بالبقاء ثم تخلف بالوفاء تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة وهي سائرة سيرا عنيفا ومرتحلة ارتحالا سريعا ولكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن وإنما يتحسر عند انقضائها ومثالها الظل فإنه متحرك في الحقيقة ساكن في الظاهر لا يدرك حركتها بالبصر الظاهر بل بالبصيرة الباطنة . ولما ذكرت الدنيا عند الحسن البصري قال شعرا : أحلام نوم أو كظل زائل * إن اللبيب بمثلها لا يخدع وكان الحسن بن علي عليهما السّلام يتمثل ويقول يا أهل لذات الدنيا ( 1 ) لا بقاء لها * إن اغترارا بظل زائل حمق . وكذلك قيل : وإن امرأ دنياه أكبر همه * لمستمسك منها بحبل غرور مثال آخر للدنيا من التغرير بخيالاتها ثم الإفلاس منها بعد افلاتها ( 2 ) يشبه خيالات المنام وأضغاث الأحلام . قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الدنيا حلم وأهلها عليها مجازون معاقبون . وقال بعضهم ما شبهت نفسي والدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما يحب فبينما هو كذلك إذا انتبه وكذلك سائر الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فإذا ليس بأيديهم شيء مما ركنوا إليه وفرحوا به . وقيل لحكيم أي شيء أشبه بالدنيا قال أحلام النائم . مثال آخر للدنيا في عداوتها لأهلها وإهلاكها بنيها .

--> ( 1 ) كذا في النسخ والمناسب حذف لأم التعريف ليستقيم وزن الشعر . ( 2 ) الأفلاك : التخلص . وأفلته : أطلقه وخلصه وكذا فلته فلتا من باب ضرب .