ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

142

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

وقيل لعيسى عليه السّلام علمنا عملا واحدا يحبنا الله عليه قال أبغضوا الدنيا يحببكم الله . وقال أبو الدرداء قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا ولهانت عليكم الدنيا ولآثرتم الآخرة ثم قال أبو الدرداء لو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصعداء تبكون على أنفسكم ولتركتم أموالكم لا حارس لها ولا راج ( 1 ) إليها إلا ما لا بد لكم منه ولكن يغيب عن قلوبكم ذكر الآخرة وحضرها الأمل فصارت الدنيا أملك بأعمالكم وصرتم كالذين لا يعلمون فبعضكم شر من البهائم التي لا تدع هواها مخافة مما في عاقبته ما لكم لا تحابون ولا تناصحون وأنتم إخوان على دين ( 2 ) ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم ولو اجتمعتم على البر لتحاببتم ما لكم تناصحون في أمر الدنيا ولا يملك أحدكم النصيحة لمن يحبه ويعينه على أمر آخرته ما هذا إلا من قلة الإيمان في قلوبكم ولو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرها كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الآخرة . وقال عيسى يا معشر الحواريين ارضوا بدني الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا . وفي معناه قيل : أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا * ولا أراهم رضوا في العيش بالدون فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما * استغنى الملوك بدنياهم عن الدين وقال عيسى عليه السّلام يا طالب الدنيا لتبر تركك الدنيا أبر . وقال نبينا صلّى الله عليه وآله وسلّم ليأتينكم بعدي دنيا تأكل أموالكم كما تأكل النار الحطب . وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السّلام أن يا موسى لا تركنن إلى حب الدنيا فلن تأتيني بكبيرة هي أشد منها . ومر موسى عليه السّلام برجل وهو يبكي ورجع وهو يبكي فقال : يا رب عبدك يبكي من مخافتك فقال يا ابن عمران لو نزل دماغه مع دموع عينيه ورفع يديه حتى تسقطا لم أغفر له وهو يحب الدنيا .

--> ( 1 ) في بعض النسخ [ ولا راجع ] وكأنه أنسب . ( 2 ) في بعض النسخ [ دين الله ] .