ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

104

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن . يثني عليه ويمدحه ويخفى عنه عيوبه إلا أن الطبع مجبول على تكذيب العدو وحمل ما يقوله على الحسد ولكن البصير لا يخلو من الانتفاع بقول أعدائه فإن مساويه لا بد أن تنشر على ألسنتهم ثم إنه يخالط الناس فكلما يراه مذموما فيما بين الخلق . فيطالب نفسه إليه فإن المؤمن مرآة المؤمن . فيرى في عيوب غيره عيوب نفسه ويعلم أن الطبائع متقاربة في اتباع الهوى فيتفقد نفسه ويطهرها عن كل ما يذمه من غيره وناهيك ( 1 ) بهذا تأديبا فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم . لاستغنوا عن المؤدب . قيل لعيسى عليه السّلام من أدبك قال ما أدبني أحد . رأيت قبح الجهل فجانبته فكل آفة تدخل على المكلف . من اتباع الهوى وحب الشهوات فإن من تأمل ذلك بعين الاعتبار انفتحت له بصيرته وانكشفت له علل قلبه فينبغي له أن يزيل ذلك بالمخالفة لهما قال الله تعالى وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم المؤمن بين خمس شدائد مؤمن يحسده ومنافق يبغضه وكافر يقاتله وشيطان يضله ونفس تنازعه فبين أن النفس عدو منازع يجب مجاهدتها . ويروى أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السّلام حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات فإن القلوب المتعلقة بشهوات الدنيا . عقولها عني محجوبة وقال عيسى عليه السّلام طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود غائب لم يره وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كف أذاك عن نفسك ولا تتابع هواها في معصية الله إذ تخاصمك يوم القيامة فيلعن بعضكم بعضا إلا أن يغفر الله ويستر وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لقوم قدموا من الجهاد مرحبا بكم قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر فقالوا وما الجهاد الأكبر يا رسول الله فقال جهاد النفس وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم المجاهد من جاهد نفسه في الله عز وجل وكان بعضهم يقول . يا نفس لا في الدنيا مع أبناء الملوك تتنعمين ولا في طلب الآخرة مع العباد تجتهدين .

--> ( 1 ) هذا رجل ناهيك من رجل أي يكفيك من طلب غيره .